كينيدي والعالم العربي

سامي مروان مبيّض (المجلة، 21 تشرين الثاني 2023)

 

قبل ستة أشهر من توليه الحكم، تحدث النائب جون كينيدي أمام تجمع صهيوني في فندق ستاتلر هيلتون في نيويورك يوم 26 أغسطس/آب 1960 قائلاً: “إسرائيل ستصمد وتزدهر، إنها طفل الأمل وموطن الشجعان. لن تكسرها الشدائد ولن تحبطها، لأنها تحمل درع الديمقراطية وفي عهدتها سيف الحرية.” بعدها بأشهر استقبل الرئيس جون كينيدي رئيس وزراء إسرائيل ديفيد بن غوريون في البيت الأبيض ووصفه بالصديق القديم.

وفي مؤتمر رئاسي يوم 15 مارس/آذار 1961، أُعلن رسمياً عن خط اعتماد لإسرائيل بقيمة 25 مليون دولار، من مصرف التصدير التابع للحكومة الفيدرالية الأميركية. وعندما علم الرئيس كينيدي أن إسرائيل تبني مفاعلاً نووياً في مدينة ديمونة، لم يعترض وقرر التعامل معه ببرودة أعصاب، قبل أن يرفع الحظر على بيع السلاح إلى إسرائيل ويوافق على تسليمها أسلحة متطورة، مثل صواريخ أرض- جو الشهيرة “هوك” (MIM-23 Hawk).

وعلى الرغم من علاقته المتينة مع تل أبيب إلا أنه تمكن أيضاً من إقامة علاقة طيبة للغاية مع معظم الدول العربية، مستغلاً محبة الجميع له. رحب القادة العرب بانتخابه رئيساً للولايات المتحدة وجميعهم ذُهل عند سماع نبأ اغتياله في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1963.

في الذكرى الستين لاغتيال الرئيس جون كينيدي، تفتح “المجلة” ملف علاقته بالوطن العربي. وفي السياق تجدر الإشارة إلى أن كينيدي لم يتمكن من إبرام أي اتفاق سلام في الشرق الأوسط كما فعل جيمي كارتر وبيل كلينتون من بعده، ولكن عهده القصير لم يشهد في الوقت نفسه أي حرب إقليمية بين العرب وإسرائيل.

وكان كينيدي أول رئيس أميركي منذ هاري ترومان، والأخير لغاية جيرالد فورد، الذي لم تشهد ولايته حرباً إقليمية؛ فقد عاصر ترومان حرب فلسطين الأولى سنة 1948 وأوقف دوايت أيزنهاور  حرب السويس في 1956. وكان ليندون جونسون في البيت الأبيض يوم اندلاع حرب يونيو/حزيران عام 1967، وتبعه الرئيس ريتشارد نيكسون في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

يوم دخل جون كينيدي البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 1961، تفاءل القادة العرب وظنّوا أن بإمكانه إحداث تغيير حقيقي وإيجابي في منطقتهم. الرئيس كينيدي كان قد زار فلسطين مرتين قبل توليه الحكم (كانت الأولى عام 1931) ولم يُخف انتقاده العلني لسياسات فرنسا الاستعمارية في الجزائر. وقد اختار أشخاصا لإدارته معروفين بمواقفهم الداعمة لمزيد من الانفتاح على الدول العربية، مثل وزير الخارجية دين راسك، ومستشار الأمن القومي ماكغورك بندي، وسفيره في القاهرة جون بادو.

 

Open Source

الملك سعود بن عبد العزيز والرئيس كينيدي

 

قبل توليه الحكم كان كينيدي قد دعا لإنشاء صندوق خاص بمنطقة الشرق الأوسط، يكون تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والبنك الدولي، بهدف دعم الدول العربية الفقيرة ومنعها من الوقوع تحت تأثير وهيمنة الاتحاد السوفياتي. وفي الوقت نفسه، سعى للحفاظ على علاقة بلاده التاريخية مع حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم السعودية والأردن.

في مطلع عهد الرئيس كينيدي، أعلن الملك سعود بن عبدالعزيز أن بلاده لن تجدد اتفاق القاعدة الأميركية في الظهران عند انتهائه في أبريل/نيسان 1962

 

 

كان الملك سعود بن عبد العزيز تحت ضغوطات هائلة لاتخاذ موقف أكثر صلابة من الولايات المتحدة، ما جعله يعلن، في مطلع عهد الرئيس كينيدي، أن بلاده لن تجدد اتفاق القاعدة الأميركية في الظهران عند انتهائه في أبريل/نيسان 1962. استوعب كينيدي الصدمة، ورد بهدوء وبرودة أعصاب أنه على استعداد لإرسال خبراء تقنيين لمساعدة السعودية في إدارة القاعدة، مع الموافقة على بيع المزيد من السلاح الأميركي للرياض بقيمة 17 مليون دولار. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1961، توجه الملك سعود إلى مدينة بوسطن للعلاج، وعند خروجه من المستشفى التقى بالرئيس كينيدي للمرة الأولى، بعد أشهر من لقاء الأخير بديفيد بن غوريون في واشنطن. كان اجتماعاً ودياً ومثمراً كالمعتاد، وتعهد الطرفان باستمرار التعاون القائم بين بلديهما في كل المجالات منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود.

وكان الملك الأردني الحسين بن طلال ثاني أقرب زعيم عربي للولايات المتحدة بعد الملك سعود. وفي كتاب من وزارة الخارجية الأميركية إلى البيت الأبيض في شهر مايو/أيار عام 1962 وصف الملك حسين بأنه “مفتاح الاستقرار في المنطقة العربية.” حافظت إدارة كينيدي على علاقتها المتينة بالملك حسين وفي العام نفسه قدمت له ولبلاده مساعدات مالية بقيمة 60 مليون دولار، في وقت كانت مساعدة أسلافه إلى الأردن لا تتجاوز 45 مليون دولار.

أصدقاء كينيدي الجدد

التحدي الحقيقي والأكبر للرئيس كينيدي كان في فتح صفحة جديدة مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي كان قد بدأ يتقرب من الاتحاد السوفياتي منذ سحب تمويل السد العالي من قبل البنك الدولي في يوليو/تموز 1956. أراد كينيدي إبعاده عن المعسكر الشرقي وضمه إلى الفلك الأميركي ولكنه كان يعلم أن إسرائيل لن تقبل بذلك. أقصى ما يمكن فعله مع عبد الناصر كان التعاون الحذر والإيجابي لإعادة تموضعه في الحرب الباردة وجعله في موقف أقرب إلى الحياد، لا مع الولايات المتحدة ولا مع السوفيات.

من حيث المبدأ لم يكن عبد الناصر رافضاً لفكرة تقبل معونات اقتصادية من الولايات المتحدة، شرط أن لا يؤثر ذلك على مكانته في الوطن العربي. ولكن ثمة تحديات كبرى وقفت في وجه التقارب، تمثلت بداية بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وفي خلاف عبد الناصر مع كينيدي حول الحرب الأهلية في الكونغو. البيت الأبيض كان يومها يقدم دعماً عسكرياً للطرف المعادي لعبد الناصر، وقد وصف حلفاء الرئيس المصري في الكونغو أنهم أتباع للشيوعية العالمية.

جاء معاون وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط فيليبس تالبوت ونصح الرئيس كينيدي بتجاوز خلافاته مع مصر حول الكونغو واتباع سياسة أكثر واقعية مع عبد الناصر. كتب تالبوت لرئيسه:

ليس لدينا أوهام حول إمكانية التوصل إلى تفاهم واسع مع ناصر. مع ذلك، نشعر أن المساعدة المتواضعة للجمهورية العربية المتحدة (في إشارة إلى دولة الوحدة بين مصر وسورية) ستكون مفيدة في مواجهة التحدي الهائل المتمثل في الصناعة والاكتظاظ السكاني في مصر، والقول (لهم) إنه يوجد بديل للاعتماد الكامل على الكتلة الشيوعية.

انقلاب الانفصال في سورية

نصح تالبوت بدعوة عبد الناصر إلى واشنطن ومساعدته بمئتي ألف طن من القمح للتعويض عن موسم حصاد مر عاشته مصر ذلك العام، دمّر 35 في المئة من محصولها وأدى إلى خسائر جسيمة بقيمة 100 مليون دولار.

 

لم يكن عبد الناصر رافضاً لفكرة تقبل معونات اقتصادية من الولايات المتحدة، شرط أن لا يؤثر ذلك على مكانته في الوطن العربي. ولكن ثمة تحديات كبرى وقفت في وجه التقارب، تمثلت بداية بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وفي خلاف عبد الناصر مع كينيدي حول الحرب الأهلية في الكونغو

 

 

ولكن قبل أن تضع الإدارة الأميركية لمساتها الأخيرة على مشروع التقارب مع مصر، وقع انقلاب عسكري في دمشق أطاح بدولة الوحدة – الجمهورية العربية المتحدة – يوم 28 سبتمبر/أيلول 1961. قادة سورية الجدد أرسلوا برقيات إلى عواصم العالم كافة، وقالوا إنهم سئموا دولة عبد الناصر البوليسية وسياساته الاشتراكية، وطالبوا باستعادة مقعد سورية كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة في الأمم المتحدة. كان الرئيس كينيدي يخطط لزيارة سفن من الأسطول السادس الأميركي في لبنان يومها لكنه ألغى الزيارة لكيلا يظهر بالقرب من سورية ولا يقال إن انقلاب الانفصال جاء بتخطيط من الولايات المتحدة. وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول 1961 قررت الإدارة الأميركية الاعتراف رسمياً بنظام الحكم الجديد في سورية، وأرسلت برقية اعتراف إلى رئيس الحكومة السورية الجديد الدكتور مأمون الكزبري. وهو ما أغضب عبد الناصر غضباً شديداً.

 

Getty mages

كينيدي في دالاس قبل لحظات من اغتياله

 

عُيّن ريدجوي نايت سفيراً جديدا بدمشق، ودخل معه الكزبري في مفاوضات فورية للحصول على قمح وطحين وأرز من الولايات المتحدة. طلب السفير من وزارة الخارجية الأميركية تقديم قرض إسعافي وفوري إلى الحكومة السورية بقيمة 15 مليون دولار، وردت دمشق بتعيين أحد أفضل سفرائها في واشنطن، الشاعر الكبير عمر أبو ريشة. استقبل أبو ريشة برحابة صدر في البيت الأبيض وأسس علاقة شخصية طيبة مع كينيدي الذي أبدى إعجابه في شعره وطلاقة لسانه باللغة الإنجليزية.

ولكن حتى شاعر حلب القدير لم يتمكن من تأمين القرض المطلوب من أميركا نظراً لمعارضة الجمهوريين في الكونغرس، وأجبرت حكومة الكزبري على اللجوء إلى ألمانيا الغربية. عرض الألمان مساعدات بقيمة 25 مليون دولار ولكن الكزبري قال إن حاجة سوريا لا تقل عن 40 مليون دولار. وعندها تدخل بنك أوف أميركا وقدّم لحكومة دمشق قرضاً بقيمة خمسة ملايين دولار للتغلّب على آثار السياسة الاشتراكية التي فرضها عبد الناصر في زمن الوحدة، المتمثلة بقانون الإصلاح الزراعي سنة 1958 وقرارات تأميم المصارف في يوليو/تموز 1961.

خطة جونسون للاجئين الفلسطينيين

وهنا يذكر السياسي السوري خالد العظم، الذي تولّى رئاسة الحكومة في نهاية عهد الانفصال: “تحولت سياسة الولايات المتحدة من عدم معارضة الانفصال، ظنّا منها أنه يُمكن أن تقوم في سورية حكومة تحقق سياسة أميركا الرامية إلى التنكيل بالشيوعية وتوطين اللاجئين وطمأنة إسرائيل. ثم خاب ظنها هذا على أثر موقف حكومتي… فعاد كينيدي إلى مخططه السابق بدعم عبد الناصر.”

 

البعض في وزارة الخارجية الأميركية طرح فكرة توطين 200 ألف لاجئ في سوريا، بناء على مقترح قديم من حسني الزعيم، مهندس الانقلاب الأول في سوريا سنة 1949

 

 

كان جوهر المشاكل في الشرق الأوسط – ولا يزال – الصراع العربي الإسرائيلي. وكل التحديات المنبثقة عنه وفي مقدمتها قضية اللاجئين وحق العودة. لم تذهب إدارة كينيدي إلى حد اقتراح عملية سلام في المنطقة ولكنها سعت جاهدة إلى حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. في بداية عهد كينيدي كان عددهم قد وصل إلى 1.5 مليون لاجئ، موزعين على دول الجوار وفي الضفة الغربية وقطاع غزة.

ظن كينيدي أنه بتوطينهم أو تعويضهم يمكنه استعادة شيء من الاستقرار في الشرق الأوسط وفي 13 يوليو/تموز 1961 كتب وزير الخارجية دين راسك إليه قائلا: “رغم الاعتراف بأن التوصل إلى تسوية دائمة بين العرب وإسرائيل أمر بعيد المنال، فإن إحراز التقدم على مسار قضية اللاجئين قد يكون المفتاح إلى تسوية عربية إسرائيلية مؤقتة.”

اختير رئيس مركز كارنيغي للسلام جوزيف جونسون ليكون مبعوثاً خاصاً لشؤون اللاجئين، وفي أغسطس/آب 1961 وقّع كينيدي قرار تعيينه وطلب إليه زيارة المنطقة ورفع تقريراً عن أوضاع اللاجئين قبل 15 أكتوبر/تشرين الأول 1961. البعض في وزارة الخارجية الأميركية طرح فكرة توطين 200 ألف لاجئ في سورية، بناء على مقترح قديم من حسني الزعيم، مهندس الانقلاب الأول في سورية سنة 1949. وصل جونسون إلى المنطقة دون أية أوهام، وكان يردد أن قضية اللاجئين لا يمكن أن تحلّ فوراً وهي بحاجة إلى جيل كامل بالحد الأدنى. خطة جونسون كانت قائمة على توطين أو تعويض اللاجئين الفلسطينيين، بحيث يُخير كل واحد منهم بين العودة إلى أرضه أو التوطين في الدولة المضيفة مع إنشاء صندوق لتعويض من اختار منهم التوطين.

رفضت إسرائيل الخطة الأميركية جملة وتفصيلاً، ورأت أن عودة اللاجئين إلى أرضهم فيها تهديد لأمنها القومي. وما صعّب مهمة جونسون كان موقف سفراء بعض الدول العربية إلى الأمم المتحدة، المطالب بعودة اللاجئين إلى القرى والبلدات التي كانت وبحسب مخطط تقسيم فلسطين عام 1947 ضمن الدولة العربية المقترحة. صوّت الكنيست الإسرائيلي برفض مخطط جونسون في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1961، فعاد العرب بطرح جديد ودعوا لإعطاء الأمم المتحدة حق الإشراف وإدارة أملاك اللاجئين الفلسطينيين في إسرائيل، لكيلا تستولي عليهم حكومة تل أبيب. عرضوا مشروعهم على التصويت في الأمم المتحدة ولكن السفير الأميركي صوت ضده، نزولاً عند رغبة إسرائيل، وفي ربيع 1962 أرسل جونسون إلى المنطقة مرة ثانية لمناقشة أوضاع اللاجئين في كل مخيم على حدة. ولكنه لم ينجح، وفي 3 يناير/كانون الثاني 1963 أعلن عن فشل مهمته.

العراق

وأخيراً جاء موضوع العراق الذي ألقى بظلاله على إدارة كينيدي بعد توتر العلاقات الثنائية بين البلدين إبان الانقلاب العسكري الذي أطاح بالعائلة الملكية الحاكمة في 14 يوليو/تموز 1958.

 

كان الرئيس كينيدي قد فكّر ملياً بتنفيذ انقلاب عسكري في بغداد للإطاحة بعبد الكريم قاسم في أبريل/نيسان 1962، ولم يخف سعادته عند التخلص منه، وأوعز إلى إدارته بالموافقة على صفقة سلاح مؤجلة مع العراق، أعطيت لحكام بغداد الجدد بعد رحيله

 

 

في الأشهر الأولى من العهد الأميركي الجديد بدأ رئيس وزراء العراق عبد الكريم قاسم بحشد قواته على حدود الكويت المستقلة حديثاً عن بريطانيا، بنية احتلالها وضمّها إلى بلاده. ردّت بريطانيا بإرسال خمسة آلاف جندي لحماية الكويت وأرسل جون كينيدي قوات بحرية أميركية إلى البحرين لردع عبد الكريم قاسم ومنعه من تنفيذ تهديداته. لم تؤد الحادثة إلى نشوب حرب، وسرعان ما تراجع قاسم عن موقفه وأرسلت قوات عربية مشتركة لحماية الكويت، بقيادة السعودية، بقيت مرابطة في الخليج لغاية الانقلاب على قاسم ومقتله في فبراير/شباط 1963.

قبلها كان الرئيس كينيدي قد فكّر ملياً بتنفيذ انقلاب عسكري في بغداد للإطاحة بعبد الكريم قاسم في أبريل/نيسان 1962، ولم يخف سعادته عند التخلص منه، وأوعز إلى إدارته بالموافقة على صفقة سلاح مؤجلة مع العراق، أعطيت لحكام بغداد الجدد بعد رحيله، وكانت قيمتها 55 مليون دولار أميركي.

***

0 ردود

اترك رداً

تريد المشاركة في هذا النقاش
شارك إن أردت
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *