المشروع 1619: كيف ننقله إلى عالمنا العربي؟

 

 

سامي مروان مبيًض (الأهرام، 19 تموز 2021)

 

منذ ثلاث سنوات، أطلقت مجموعة من الصحفيين الأمريكيين حملة بعنوان المشروع 1619، تهدف إلى إعادة كتابة تاريخ الولايات المتحدة من وجهة نظر أصحاب البشرة السمراء، زنوج أمريكا المنحدرين من أصول إفريقية. اختاروا العام 1619، لأنه شهد وصول أول قافلة عبيد على متن سفينة هولندية، قادمين إلى القارة الجديدة من أنجولا، مكبلين بالسلاسل.

صاحبة المشروع نيكول هانا جونز أطلقته عبر مقال نُشر في صحيفة النيويورك تايمز، وقد أثار زوبعة في الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية، بين مؤيد ومعارض. معارضو المشروع، وعلى رأسهم الرئيس السابق دونالد ترامب، قالوا إن فيه تزويراً للحقائق وتشويهاً للتاريخ، وقد أيّده الكثيرون، ومن بينهم كاميلا هارس، نائب الرئيس الحالي جو بايدن.

المشروع مر مرور الكرام في عالمنا العربي، ولم يُذكر لا في الصحف والمواقع الإلكترونية أو فى نشرات الأخبار، لأن العرب لديهم ما يكفي من الهموم والمشاكل. ولكن، ماذا لو فكرنا في نقل التجربة إلى عالمنا العربي؟ من أين نبدأ وعن وجهة نظر من ندافع؟ في التاريخ العربي الحديث الكثير من الأساطير المتوارثة شفهياً عبر الأجيال، حان الوقت للعودة إليها بشكل جدى ومحترف لأنها تحوّلت مع مرور الوقت من خيال شعبي، أو ثرثرة في المقاهي الشعبية، إلى حديث نخبوي في صالونات المجتمع وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، يتعامل معها الناس وكأنها عين الصواب ونِبراس الحقيقة.

منذ عام 1998، عملت جاهداً على سماع وتدوين مئات الشهادات التاريخية لكبار السن فى كلّ من دمشق وبيروت والقاهرة. بعضهم كان صانع أحداث بجدارة، من رؤساء ووزراء وسفراء، والبعض الآخر كان مجرد شاهد على العصر من زاويته الحياتية. إذ قد يكون بائع جرائد بسيط فى سوق الحميدية بدمشق، أو قناصاً في إحدى ميليشيات الحرب الأهلية اللبنانية، أو سائق تاكسي فى شوارع القاهرة.

تعاملنا مع جميع الشخصيات العربية المعاصرة والقصص المرتبطة بهم كما لو أنها قرآن التاريخ، ولم نفرق يوماً بين الحقيقة والخيال الوطني. أذكر هنا، على سبيل المثال، كل ما نُقبل عن بطولات أحمد عرابي باشا قبل اعتقاله سنة 1882، دون أخذ رأى الخديوي توفيق فيه وثورته. وفى سورية مثلاً مقولة شهيرة تنسب للجنرال الفرنسي هنري غورو الذي دخل مدينة دمشق محتلاً سنة 1920 فذهب إلى قبر صلاح الدين الأيوبى وقال: “ها قد عدنا يا صلاح الدين، وجودي هنا يكرس انتصار الصليب على الهلال.”

لا توجد صورة للجنرال الفرنسي عند هذا الضريح، وهو أمر غريب لأن غورو كان مصوّراً ماهراً أقرب إلى المحترف، يعشق التقاط الصور التذكارية لنفسه ولما يدور حوله من أحداث، ومجموعة صوره الكاملة محفوظة فى وزارة الخارجية الفرنسية بباريس حتى اليوم. من المستغرب أن يكون قد زار الضريح دون أخذ صورة تذكارية، طالما أنه اعتبر وجوده في دمشق انتصاراً للصليب على الهلال. ولا يرد هذا الكلام فى مذكرات الرجل أو في أي جريدة فرنسية أو سورية صدرت عند احتلال دمشق. فمن أين أتت هذه القصة الموثقة وكيف تداولها السوريون من جيل إلى جيل؟ ولقد تحوّلت إلى أمر واقع عندما رواها الرئيس السوري شكري القوتلي أمام نظيره المصري جمال عبد الناصر عند زيارتهم الضريح عشية إعلان الوحدة السورية المصرية سنة 1958. أعجب بها عبد الناصر كثيراً وصار يرددها، فدخلت كتب التاريخ من يومها، دون أي سند.

وإذا دخلنا في تاريخ الفن، نجد أن جميع الناس يتحدثون عن غيرة أم كلثوم الحتمية من أسمهان، لأنها كانت تزاحمها على عرش الغناء العربي. والبعض يذهب أبعد من ذلك، ويقول إن مقتل أسمهان سنة 1944 كان بتدبير من أم كلثوم، وهو كلام فارغ طبعاً. وهناك من يقول ويجزم أن المطرب السوري الكبير صباح فخري دخل موسوعة غينيس لغنائه عشر ساعات متواصلة على أحد مسارح فنزويلا سنة 1968. أتحدى أحداً من الرواة أن يثبتوا حقيقة غيرة أم كلثوم وقصة جينيس التي سألت صباح فخري عنها ذات يوم، وهو صديق قديم لأبي. كان جوابه: “سمعتها كثيراً ولكنى لم أرها فى غينيس، ولكن من غيرى يستحق أن يدخل هذه الموسوعة؟”

التاريخ أمانة…يجب أن تُدرس بشكل علمي…بعيداً عن العواطف. التاريخ الشفهي مهم، ولكن يجب التعامل معه بحذر، لأن هامش الخطأ فيه واسع للغاية، سواء كان عن قصد أم جهل. الراوي عادة ينقل ما يخدم سيرته الشخصية وليس ما يخدم الحقيقة الكاملة، وتكون السيرة مشوهة عندما يتكلم عنها وهو فى سن متقدم، فيغفل تاريخاً معيناً أو ينسى ذكر اسم أحد الأشخاص. نحن مجتمع يجل الكبار بالسن ولا نناقشهم أبداً، ويمكن لروايتهم أن تمر وتكتب، لأنها جاءت على لسان ضابط متقاعد، أو شيخ جليل، أو سياسي عتيق.

وأكثر من وقع فى هذا الخطأ هم أولاد وأحفاد الشخصيات السياسية العربية الكبرى، لأنهم حولوا أجدادهم إلى قديسين لا يشبهون بنى البشر، ويظهرونهم بأبهى الحالات الوطنية والإنسانية، ويرفضون الاعتراف بأنهم أخطأوا ولو مرة واحدة فى حياتهم. وقد جاءت المسلسلات الدرامية والأفلام الوثائقية العربية الموجهة لتكمل فى تعظيم تلك الشخصيات وتضعها فى مقام الملائكة، من أم كلثوم وأسمهان وصباح مروراً بأنور السادات وجمال عبد الناصر والملك فاروق وغيرهم.

كم نحن بحاجة إلى مبادرة تشبه المشروع 1619 لأننا لم نكتب التاريخ بأمانة، ولم نتعامل معه بصدق؟ بل قمنا بتشويهه لكي نستر عيوبنا كأمة، ولكي نُحمّل الآخرين أوزار فشلنا الجماعي. فجاء تاريخنا العربي المعاصر والقديم معلباً، مقطراً، جاهزاً للاستهلاك، نظهر نفسنا فيه أما أبطالاً أو ضحايا. اللوم الحقيقي يقع علينا كشعوب لأننا لم نتعلّم شيئا عن مآسي بلادنا، فمضينا في الطريق المشوّه نفسه بالأساليب والأدوات البالية والخلافات الدينية والعرقية ذاتها. وكتبت التاريخ المعاصر والقديم بطريقة كوميدية تليق بمسلسل “باب الحارة السوري الشهير.

***

0 ردود

اترك رداً

تريد المشاركة في هذا النقاش
شارك إن أردت
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *