هتلر مستشارا لألمانيا بعد انتخابات حرة وديمقراطية

سامي مروان مبيض – مجلّة المجلّة (لندن، 27 شباط 2023)

حين يُذكر أدولف هتلر، غالبا ما يتذكر الناس جرائمه. وسيظل ملعوناً إلى أبد الآبدين في الكتاب الأسود للتاريخ، بسبب إرساله اليهود إلى المحرقة، وتدميره جزءاً كبيراً من أوروبا وكامل ألمانيا. لا ترتبط الانتخابات عادة باسم هتلر – ولا سيما إن كانت انتخابات ديمقراطية – رغم أنه، ويا للمفارقة، وصل إلى السلطة من خلال عملية ديمقراطية في 30 يناير/كانون الثاني 1933، قبل تسعين عاماً بالضبط.

كانت سنة 1932 حاسمة بالنسبة لألمانيا، حيث عُقدت خلالها ثلاث انتخابات في أقل من اثني عشر شهراً، واحدة للرئاسة في مارس/آذار، واثنتان للبرلمان في يوليو/تمّوز ونوفمبر/تشرين الثاني. قاد حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني الذي ينتمي إليه هتلر (الحزب النازي) بحملته الانتخابية تحت شعار “مناهضة الشيوعية،” وقد فاز بنسبة 35 بالمئة من المقاعد في الرايخستاغ (البرلمان الألماني).

كان انتصاره ساحقاً، ولكنه لم يكن كافياً لكي يتفرّد بالحكم. تم حلّ البرلمان وأجريت انتخابات جديدة في نوفمبر/تشرين الثاني، حصل النازيون فيها على 32 بالمئة فقط من المقاعد، بينما حصلت الأحزاب الأخرى مجتمعة على 36.8 بالمئة. ومن جديد، ومع عدم وجود أغلبية واضحة، كان على جميع الأطراف التوجه نحو تشكيل حكومة ائتلافية. ولكن بالنظر إلى نسبتهم في البرلمان، وحقيقة أن هتلر قد حشد رجال الأعمال والصناعيين والمصرفيين والنبلاء السابقين والضباط من حوله، لم يكن أمام الرئيس المسنّ باول فون هيندنبورغ خيار سوى دعوته ليصبح مستشاراً، وهو المنصب الذي قبله هتلر وتم تنصيبه فيه في 30 يناير/كانون الثاني 1933.

نظرياً، لم يكن هتلر يختلف عن أي من المستشارين العشرة الذين تناوبوا على الحكم منذ إنشاء الجمهورية عام 1919، والذين تمكنّ ستة منهم فقط من البقاء في السلطة لأكثر من عام، حتى أنّ المستشار الذي سبق هتلر مباشرة، كورت فون شلايشر، لم يبقَ في منصبه أكثر من ستة وخمسين يوما فقط.

هتلر يترشح للرئاسة

جاء الكساد الكبير ليسحق ما تبقى من عزيمة الشعب الألماني، فتمّ تسريح العمّال على نطاق واسع وارتفعت معدلات البطالة والفقر والجريمة، ممّا دفع الشعب للالتفاف حول هتلر والنازيين الذين كانوا يعدون بتصحيح كل الأخطاء التي ارتُكبت في حق الشعب الألماني. في مارس/آذار 1932، قبل الانتخابات البرلمانية التي أوصلت النازيين إلى السلطة، كان هتلر قد رشّح نفسه للرئاسة، ضد الرئيس باول فون هيندنبورغ والزعيم الشيوعي إرنست ثالمان. كان هيندنبورغ يشغل منصب الرئيس منذ عام 1925، وفاز بفترة ولاية أخرى مدتها سبع سنوات بنسبة 53.05 بالمئة من الأصوات، بينما جاء هتلر في المرتبة الثانية بنسبة 36.77 بالمئة، وحلّ ثالمان ثالثًا بنسبة 10.16 بالمئة. لكن بعد بضعة أشهر، وبمجرد أن ثبّت أقدامه في السلطة، أمر هتلر الشرطة السرية الألمانية (الغستابو) باعتقال ثالمان، ليقضي أحد عشر عاماً في سجن انفرادي، قبل أن يتم إعدامه رمياً بالرصاص، بأمر من هتلر، عام 1944.

الفيوهرر

في غضون عام من تعيين هتلر كمستشار، حدث تطوران صبّا في مصلحته وحولاه إلى الدكتاتور الذي عرفه العالم خلال السنوات المقبلة. الأول كان وفاة الرئيس هيندنبورغ في 2 أغسطس/آب 1934 بعد صراع مع سرطان الرئة. كان هتلر يعلم أن أيام هيندنبورغ باتت معدودة، وقبل ساعات من إعلان وفاته كان قد دفع من أجل اعتماد قانون لدمج الرئاسة مع المستشارية، في منصب يُعطى لقب الفيوهرر (الزعيم). لم يكن بحاجة إلى انتخابات للقيام بذلك، فكلّ ما تطلبه الأمر هو استفتاء عام نظّمه النازيون في 19 أغسطس/آب من ذلك العام، ليتمّ تمرير مرسوم هتلر بنسبة موافقة بلغت 90 بالمئة في صناديق الاقتراع.

حريق الرايخستاغ عام 1933

التطور الثاني الذي لعب دوراً في تكوين شخصية هتلر المستقبلية كان حريق الرايخستاغ في 27 فبراير/شباط 1933، بعد أقل من شهر من توليه منصب المستشار، ليكون نعمة في ثوب نقمة، إذ شكّل نقطة تحول في مسيرة هتلر المهنية وفي تاريخ ألمانيا. تمّ اتّهام شيوعي هولندي بتنفيذ الاعتداء، وألقي القبض عليه وتمت محاكمته محاكمة صورية ليُعدم في عام 1934.

استغلّ هتلر الحدث للنيل من قائمته الطويلة من الأعداء، بدءًا بالشيوعيين واليهود. لا يزال الكثيرون يعتقدون أن حريق الرايخستاغ تمّ على يد النازيين أنفسهم، بأوامر من هتلر، ولكن ذلك لم يثبت بشكل قاطع أبدا. تمّ حظر الحزب الشيوعي على إثر الحريق، وبحلول منتصف مارس 1933، كان هناك عشرة آلاف شيوعي وراء القضبان.

وفي 23 مارس/آذار، جعل مرّر هتلر قانون التمكين، والذي منحه صلاحيات واسعة لإقرار القوانين بلا تدخل من البرمان. ضربت هذه التدابير الاستثنائية أسس الحقوق المدنية والفردية، وحظرت الحياة السياسية والأحزاب بغرض استئصال الشيوعية من المجتمع الألماني. صوّت 444 نائباً لصالح قانون التمكين، فيما صوّت أربعة وتسعون نائباً فقط ضده. وكان من المُفترض أن يُوقف العمل بهذا القانون عام 1938، إلا أنّه ظلّ سارياً حتى سقوط برلين – وأدولف هتلر – في عام 1945.

 

0 ردود

اترك رداً

تريد المشاركة في هذا النقاش
شارك إن أردت
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *