IMG_2446

الأبيض يليق بكم ولكن

في مثل هذا اليوم من رأس السنة الهجرية، كان أهلنا بدمشق يحضرون “أكلة بيضاء،” كالشاكرية مثلاً أو الرز بحليب، أملين أن يكون عامهم المقبل أبيض مثلها.
كم هو جميل هذا اللون وكم كان يشبه دمشق.
ربط المدن بألوانها ليس ترفاً، وهو معروف ومتبع في الكثير من دول العالم، فمدينة الضباب لندن، تُعرف باللون الرمادي الذي يسود سمائها ونهرها الشهير، إضافة للون الذهبي الذي يزين قصورها وكاثدرائياتها. أما نيويورك، فقد عُرفت باللون البني، بعد حريقها الكبير عام 1835 عندما قام أهلها باعادة بنائها من جديد من الحجر البني، ابتعاداً عن الخشب. اللون يؤثر نفسياً ومعنوياً على قاطني أي مدينة، ومع الوقت، يؤثر أيضاً على سلوكهم وحياتهم اليومية.
لو كنت مسؤولاً في بلدي (لا قدّر الله)، لمنعت تداول الأسود منعاً باتاً، لأنه يذكرنا بسنوات الموت والحزن، عندما أصبح لباساً موحداً لجميع نسائنا. نعم هو لون الموت، ونوافذ السيارات المدعومة، ولباس خفافيش الليل البشرية. لو ترك لي القرار، لوضعت لوناً فرحاً بدلاً عنه لكل المدن السورية، يرمز إلى هوية وروح كل واحدة منها، ولكنت اخترت الأبيض لمدينتي، مدينة دمشق، لون الطعام في رأس السنة الهجرية ولون لباس “الدراويش” اتباع الطريقة المولوية.
ذات يوم، كان رجالنا في دمشق يرتدون الأبيض الناصع في مآتمهم تعبيراً عن حزنهم، رمزاً للطهارة في وداع الأحبة وهم يغادرون هذه الدنيا بكفن أبيض. تغيرت هذه العادة منذ زمن بعيد، وكثيرين لا يعرفونها اليوم، وصار الأسود هو لون الحزن المتعارف عليه عالمياً، درج في بلادنا قادماً من اوروبا.  حتى أن الشيخ علي الدقر، أحد أشهر علماء دمشق في النصف الأول من القرن العشرين، اختار اللون الأبيض لحجاب المرأة الدمشقية، أو الملاية المتبعة في حينها،  لاظهار تباعد مع اللون الأسود المتبع أيام العثمانيين، وكان مزعجاً للغاية في أشهر الصيف اللاهب. كما أن علماء دمشق، وتحديداً أصحاب المراتب العلمية العليا، كانوا ومازالوا يلبسون اللفة البيضاء على رؤوسهم، ليتميزون عن الأسر المنسوبة التي تعتمر اللفة الخضراء أو القضاة، أصحاب لفة “لاماليف” المزركشة، أو التجار، بلفتهم الأغباني ذات اللون العسلي.
ساد اللون الأبيض على اللباس الرسمي لنواب سورية في افتتاح كل المجالس النيابية التي سبقت قيام الوحدة مع مصر، لدرجة أنها أصبحت عرف غير مكتوب، التزم به أعيان البلاد ورموزها الوطنية مثل الرئيس شكري القوتلي، والرئيس هاشم الأتاسي، ورؤساء الحكومات أمثال جميل مردم بك وسعد الله الجابري وفارس الخوري. كان الأبيض “موضة” في فساتين النساء، وأحذية الرجال، وحتى في لون عجلات سياراتاهم، يقومون بتلميعها وتنظيفها بعد كل “مشوار،” صبحاً وظهراً ومساء.
كان البياض، ولو بشكل غير مباشر، هو لون مدينة دمشق في زمن مضى، ليس الأسود اطلاقاً. فهو لون ياسمينها وفلها، تحدث عنه شاعر الشام نزار قباني قائلاً: “والفل يبدأ من دمشق بياضه، وبعطرها تتطيب الأطيابُ، والحب يبدأ من دمشق فاهلنا، عبدوا الجمال وذوبوه وذابوا.” الأبيض هو لون القسم الأوسط من العلم السوري بكل عصوره، رمزاً إلى الدولة الأموية التي اتخذت من دمشق مركزاً لها وحكمت من خلالها العالم.
تغير هذا اللون مع انهيار الأمويين وصعود الدولة العباسية، علماً أن الأبيض كان لون راية الرسول في كافة معارك الإسلام الأولى.
مع ذلك، فان هذا اللون صودر مؤخراً، ليصبح العلم الرسمي للتنظيمات التكفيرية الجهادية، ومنها طبعاً تنظيم داعش. خلال فترة حكمهم في مدينة الرقة، كان أعضاء هذا التنظيم الإرهابي يطلون أبنيتهم وراياتهم باللون الأسود، وكان أميرهم أبو بكر البغدادي لا يرتدي إلا الأسود. بعد أن كان اللون الأسود هو اللون المعتمد للحزب الفاشي في ايطاليا أيام موسوليني، صار مكروهاً في الغرب اليوم، يذكر بقطع الرؤوس وذبح الأطفال.
في باريس مثلاً رفع مناصري عائلة بوربون الحاكمة اللون الأبيض، بعد أن أطاحت الثورة الفرنسية بملكتهم عام 1789 وكان الأبيض رمز لمناصري قيصر روسيا نقولا الثاني بعد الثورة البلشفية التي اعتنقت اللون الأحمر، فصار هناك ساحة حمراء، وراية حمراء، وجيش أحمر.
بحسب الفنانين والمعماريين والأطباء النفسيين، فإن اللون الأبيض يرمز إلى البداية والكمال، إلى الطيبة والصدق، إلى النظافة والحياد والطهارة والعذرية. بابا الفاتيكان لبس الثوب الأبيض الناصع منذ عام 1566، وكان الأبيض هو “لون المواطنة” في زمن الرومان، وهو حتى اليوم، لون لباس حجاج بيت الله الحرام.
ولكن، بعيداً عن الرومانسية المفرطة، أين نحن اليوم من اللون البياض، في نفوسنا ومدننا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا؟ القمامة المنتشرة في شوارع دمشق اليوم لا تليق بهذا اللون بتاتاً، علماً أن دمشق كانت بيضاء ذات يوم، عندما صنفت من قبل الأمم المتحدة “الأنظف بين مدن العالم” سنة 1956. ولكنها اليوم تكاد أن تغرق تحت جبال من القمامة والأوساخ المنتشرة في كل زقاق و في كل حي، والتي صارت تملئ نهر بردى، الجميل سابقاً. الفوضى لا تليق بالبياض أبداً، ولا الفساد، ولا مكان للون الأبيض في ظل هذا العمار العشوائي عقيم الإبداع الذي عم مدينتنا وشوه أبنيتها التاريخية. أين هو البياض في أرصفة دمشق، وحدائق دمشق، ومدارس دمشق، وأبنية دمشق الحكومية؟
قبل أن نعطي دمشق لوناً، يجب أن تعود دمشق دمشقاً، لكي يليق البياض فعلاً بها وبأهلها وقاطنيها.
كل عام هجري وأنتم بألف خير.