SyrianConstitution_f-1

السوريون ودساتيرهم

في اجتماعهم الأخير في عاصمة كازخستان نهاية الشهر الماضي، سلمت روسيا مسودة دستور مؤقت الى الافرقاء السوريين، وطلبت منهم دراسته بجدية وابداء الرأي قبل اجتماعهم المقبل في جينيف نهاية الشهر الماضي. اغضب هذا التصرف الأحادي عدداً لا يستهان به من السوريين من طرفي الصراع، واعتبروا أن الدستور الجديد لا يمثلهم لأنه صُنع خارج البلاد وكُتب بأيدٍ أجنبية.

الدستور الروسي جريء وفيه الكثير من الأفكار الصادمة يصعب على كثير من السوريين تقبلها، وتحديداً البعثيين والقوميين العرب والإسلاميين منهم، كالإعتراف باللغة الكردية لغةً رسمية الى جانب اللغة العربية، وشطب المادة الثالثة التي تنص على الإسلام ديناً لرئيس الجمهورية، وتعديل اسم البلد ليصبح الجمهورية السورية بدلاً من الجمهورية العربية السورية لإرضاء مكونات عرقية غير عربية في المجتمع السوري، مثل الترُكمان والأرمن والشركس والاكراد. الإسم المقترح هو عودة الى تسمية قديمة كانت موجودة منذ تأسيس الجمهورية عام 1932 وحتى قيام الوحدة مع مصر عام 1958. ادخلت كلمة العربية في عهد الإنفصال سنة 1961 للوقوف في وجه الإتهامات المتكررة من قبل الرئيس جمال عبد الناصر الذي فتح النار على السوريين وقال انهم ليسوا عرباً لقيامهم بإنقلاب على الجمهورية العربية المتحدة، العزيزة جداً على قلبه.

اضافة، فإن مشروع الدستور الروسي يقضي كلياً على الهيمنة السياسية والإدارية لمدينة دمشق على المناطق السورية كافة، ويؤسس لحكم لا مركزي يتيح لسكان المدن والقرى البعيدة بنوع من الحكم الذاتي يستطيع أهلها من خلاله تسمية محافظين لمناطقهم من دون العودة الى العاصمة السورية، والإستفادة من ثروات مناطقهم، وانتخاب برلمان محلي ليدير شؤونهم الداخلية، والى تأسيس مجلس نيابي جديد سمي بجمعية المناطق يحكم من دمشق مع المجلس النيابي الحالي وتكون له صلاحيات واسعة كانت من نصيب رئيس الجمهورية… مثل تعيين حاكم المصرف المركزي، وتسمية رئيس الحكومة ونوابه والوزراء ونواب الوزراء، وتعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى. الدستور الجديد يبقي على سبع سنوات لولاية رئيس الجمهورية ولكنه يحددها بمرتين فقط، ويسمح لمجلس النواب بإقالة رئيس البلاد لو حصل على اغلبية الأصوات، ويكون الرئيس تابعاً لهذا المجلس وليس اعلى منه. رفضت دمشق معظم تلك المقترحات، وطلبت أن يعيد الدستور الروسي الصلاحيات التشريعية لرئيس الجمهورية ويسمح بإعادة إنتخاب الرئيس لثلاث ولايات بدلاً من ولايتين، أو ما يعادل 21 سنة.

سوف نرى كيف سيكون مصير هذا الدستور بالمقارنة مع ما سبقه من دساتير، فالدستور الأول، أو الدستور الملكي في عهد الملك فيصل، وضعته لجنة دستورية مرموقة عام 1920، يترأسها المرحوم الرئيس هاشم الأتاسي، ولكنه ضاع بنسخته الأصلية في عتمة الاحتلال الفرنسي والفوضى بعد معركة ميسلون.

الدستور الثاني، وهو الأول للجمهورية وضع عام 1928 من خلال انتخابات عامة جرى خلالها تنافس حاد بين الكتلة الوطنية ورئيس الوزراء يومئذ الشيخ تاج الدين الحسني، ووضع نفسه على جميع القوائم الإنتخابية، مستفيداً من منصبه الحكومي، وسمي بين الناس تاج القوائم! جرت الانتخابات لمؤتمر دستوري في نيسان/أبريل من ذاك العام، وسجلت حالات تزوير من رجالات الحكومة في حي القنوات وسوق ساروجا وفي غوطة دمشق الشرقية. ومع ذلك كانت المشاركة جيدة بالنسبة لانتخابات سوريا الأولى، وصلت الى ٦٠% في دمشق، ٣٥% في حمص، و٥٠% في حماه. من النواب التسع المنتخبين عن دمشق، سبعة منهم كانوا من اعضاء الحركة الوطنية المناهضة للإحتلال، والتي حصدت 27 من مقاعد المجلس الدستوري السبعين. مع كل التدخل الفرنسي، سقط كل من وزير الداخلية سعيد محاسن ومعه وزير الأشغال العامة في تلك الانتخابات، وفشلوا في الوصول الى اللجنة الدستورية. انتخب هاشم الأتاسي نفسه رئيساً للمجلس مرة ثانية وعمل مع العلامة في القانون فوزي الغزي لوضع دستور عصري، على أسس الديمقراطية الفرنسية، يؤسس لنظام برلماني ويصون الحريات العامة.

اعترضت فرنسا على ست مواد لأنها لا تعترف بحق الانتداب على سوريا، وتعاملت مع كل الأراضي المحررة من الحكم العثماني كوحدة جغرافية، منها سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين، واعطت السوريين حق تأسيس جيش وطني في تناقض واضح من صك الانتداب. وفي المادة 74 حصل رئيس الجمهورية السورية وليس المندوب الفرنسي على حق ابرام الاتفاقيات الدولية، واصدار العفو العام، واعلان الحرب والقوانين العرفية. صادق البرلمان السوري على هذا الدستور في صيف عام 1928، ولكن الفرنسيين اعترضوا فقاموا بحل المجلس وبتعطيل الدستور الى أجل غير مسمى، وكان ذلك في شباط/فبراير عام 1929.

بعدها بأسابيع، قتل العقل القانوني للدستور السوري الأول المرحوم فوزي الغزي، وهو في الثامنة والثلاثين من العمر، ليس على يد المخابرات الفرنسية، بل على يدي زوجته وبمشاركة ابن أخيه الذي قيل يومها انه شارك بالجريمة للتخلص من عمه وزواج حرمه. حكمت المحكمة بالإعدام، ولكن الحكم تم تعديله ليصبح مؤبداً مع الأشغال الشاقة. وبقيت الزوجة في السجن من عام 1929 وحتى خرجت بعفو رئاسي على يد الزعيم حسني الزعيم عام 1949. اما دمشق فقد ودَّعت الغزي بموكب مهيب وحمل الشبان لافتات كبيرة كتب عليها مات أبو الدستور، يحيا الدستور!

هذا الدستور لم يحيا طبعاً وقد عدل مرات عدة ووضع على الرف مرات ومرات. جاء التعديل الأول عام 1947 للسماح لرئيس الجمهورية بالترشح لولايتين متتاليتين، بالرغم من أن النص القانوني كان يسمح للرئيس بالترشح لعدة ولايات، ولكن ليست متتالية. وكان التعديل الاخير سنة 2000، عندما عُدل الدستور لتخفيض السن القانوني لرئيس الجمهورية من اجل تولي الرئيس بشار الأسد الحكم. عطل الدستور السوري عام 1949 و1951 و1958، خلال العهود العسكرية وايام الوحدة مع مصر. وجرت محاولات وضع دستور جديد أيام حسني الزعيم واديب الشيشكلي. اما البعث الذي تولى الحكم بموجب انقلاب عسكري عام 1963، فقد حكم البلاد لمدة عشر سنوات كاملة من دون برلمان أو دستور، ولم تتم صياغة دستور جديد للبلاد الا في عام 1973، أي بعد ثلاث سنوات من تولي الرئيس حافظ الأسد الحكم، وحمل في طياته المادة الثامنة والتي أعطت حزب البعث حقاً دستورياً بأن يصبح قائداً للدولة والمجتمع، من يومها وحتى صدور الدستور الحالي الذي أوشك على نهايته، وكان ذلك عام 2012.

نشر في مجلة الصياد يوم 5 شباط 2017