361460_PA-Chief

توحيد البندقية الفلسطينية ليس ضد اسرائيل بل ضد داعش

منذ أسبوعين توصلت الدبلوماسية الروسية إلى إتفاق وصف بالتاريخي، بين حركتي فتح وحماس يؤدي إلى تشكيل حكومة وفاق وطني والى طي صفحة الإنقسام بينهما الذي كان سيفجر حرباً أهلية فلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 2007. صحيح أن روسيا ليست دخيلة على القضية الفلسطينية، وهي عضو مؤسس في اللجنة الرباعية المنبثقة عن مؤتمر مدريد منذ أكثر من عشرين سنة مع كل من الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إلاّأنها لا تريد اشراك الآخرين في الملف الفلسطيني من الآن فصاعداً، وتحديداً من الدول الغربية. وهي تعتمد اليوم وبشكل أساسي على بعض النصائح من حلفائها الإيرانيين والسوريين المتمرسين في الشؤون الفلسطينية منذ عقود، وتحديداً في ما يتعلق بحركة المقاومة الإسلامية حماس، التي ولدت نهاية الثمانينات ونشطت في التسعينات، خلال فترة الغياب الروسي عن مسرح أحداث الشرق الأوسط.

أما بالنسبة لطهران ودمشق، فقد كانت حماس ولسنوات طويلة ركناً أساسياً وفعالاً في محور المقاومة، قبل انشقاق رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل عن سوريا عام 2012 وتوجهه إلى قطر، اعتقاداً منه طبعاً، أنّ النظام السوري على وشك الإنهيار. كان من الطبيعي لخالد مشعل أن يبتعد عن حلفاء الأمس، لما فتح من أبواب اقليمية أمامه بعد تولي حركة الأخوان المسلمين الحكم في كل من مصر وليبيا وتونس، وهي الأب المؤسس والحقيقي لحركة حماس.

جاء الراعي القطري لهذا المشروع ليطمئن القائد الفلسطيني بأن الإخوان المسلمين سيصلون قريباً إلى سُدّة الحكم في دمشق، ولكن التطورات والأحداث جاءت بعكس توقعات خالد مشعل وصحبه، فالنظام السوري لم يسقط بل سقط نظام الإخوان في مصر عام 2013، وسيق صديق مشعل الرئيس محمد مرسي إلى إحد سجون القاهرة، وبعدها بعام ظهر تنظيم داعش في سوريا والعراق ونصّب ابو بكر البغدادي نفسه أميراً للمؤمنين وخليفة للمسلمين، مما بثّ الرعب في أنحاء العالم كافة، وقضى على جدية مشروع اسقاط النظام في دمشق. وبعدها بعام جاء التدخل العسكري الروسي في خريف عام 2015، ليحسُم قضية مستقبل النظام أولاً، ويعيد له أجزاءً واسعةً من الأراضي السورية، وكان آخرها مدينة حلب شمال البلاد نهاية العام الماضي.

أدرك العقلاء في حركة حماس أن مشروع الاخوان قد سقط نهائياً وتعاملوا مع هذا الواقع، وبدأت استدارة خجولة نحو حلفاء الأمس في محور المقاومة، عندما سافر وفد من القطاع إلى طهران لحضور احتفالات الذكرى السابعة والثلاثين لثورة الخميني. واجتمع قادة حماس لأول مرة منذ سنوات مع مسؤولين ايرانيين بارزين مثل رئيس المجلس علي لاريجاني وقائد سرايا القدس الجنرال قاسم سليماني. أبدى الإيرانيون انفتاحاً نحو أية مصالحة، وكانوا متمسكين بحركة حماس كونها مكون سني داخل المجتمع العربي، تساعد طهران على نفي كل ما يقال عنها عربياً واسلامياً، بانها لا تدعم إلا الميليشيات الشيعية، وتسعى إلى قيام حكم طائفي في كل من سوريا ولبنان والعراق. إضافةً لذلك فإنّ علاقة إيران بالتنظيم الفلسطيني تعود إلى عام 1993 عندما سُمح لها بفتح مكتب في طهران لعرقلة اتفاقية أوسلو الموقعة

يومها بين اسرائيل والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. دعمت ايران حركة حماس بالسلاح خلال سنوات الانتفاضة الثانية وبحلول العام 2007، عندما نفذت حماس انقلابها في قطاع غزة، وصل الدعم المالي الإيراني إلى 120 مليون دولار سنوياً، لدفع رواتب موظفي القطاع وتمويل مستلزمات الدولة المحاصرة عربياً ودولياً.

اليوم قالوا لهم بوضوح: لا مانع لدينا في عودة العلاقات الطبيعية مع حماس لو وافقت دمشق على ذلك. وبدورها دمشق قالت أن لا مانع لديها أيضاً في حال حصول الحركة على مباركة السيد حسن نصرالله، شرط أن لا تكون المصالحة مع خالد مشعل شخصياً، لانه بالغ بعدائه للنظام السوري وتعرّض للرئيس بشار الأسد شخصياً، وأن يتم استبداله بشخص مختلف لفتح أبواب دمشق مجدداً أمام حماس. بانتظار الحصول على كل تلك الموافقات، تغير موقف خالد مشعل من الحرب السورية والحرب السعودية على اليمن. أوقفت إيران مساعداتها للقطاع خلال السنوات الخمس الماضية، ولم تقم لا السعودية ولا قطر بسد العجر المالي، فغرقت مدينة غزّة في مزيد من الفقر والقهر والتخلف، ووصلت نسبة البطالة فيها إلى ٨٠% بحسب احصائيات الأمم المتحدة، مما أجبر سكان غزة، وهم الخزان البشري الوحيد المتبقي لحركة حماس، على التفكير ببدائل لقيادة مجتمعهم وتوفير أبسط مستلزمات العيش الكريم في الحياة اليومية.

البديل الأول هو الجيل الجديد من قادة حماس، متمثلاً برجالات كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري للحركة، محمد الضيف البالغ من العمر 52 سنة، ويحيى سنوار 56 سنة، وكلاهما أصغر من خالد مشعل بأكثر من عشر سنوات، أي أنهما اقرب نسبياً الى جيل الشباب. هؤلاء القادة ولدوا وعاشوا في مخيم خان يونس، وكانوا دوماً قريبين من هموم الناس ومشاكلهم على عكس خالد مشعل الذي ولد وعاش في الضفة الغربية عندما كانت تحت الحكم الأردني، ودرس في جامعة الكويت، وعاش سنواته الماضية في فنادق الدوحة الفارهة. أما الضيف ويحيى سينوار، فهما يقودان مجتمعهما من الداخل ومن القاع، ويشاركان الناس أفراحهم وأحزانهم، ويعانيان معهم من غلاء المعيشة وانقطاع الكهرباء، ويهربان معهم إلى الملاجئ في أوقات القصف الإسرائيلي…

في الوقت الذي يخاطبهم خالد مشعل بشيء من الفوقية والعلو، عبر شاشات التلفزة، وهو لم يزر القطاع إلاّ مرّة واحدة فقط في حياته في زيارة سياحية نهاية العام 2012. الجيل الجديد من الفلسطينيين لا يعرفه كثيراً ولا تعجبه افكار خطابه السياسي، ويعتبر أنه وباستثناء محاولة اغتياله الشهيرة عام 1997، لم يعانِ مشعل كثيراً في حياته من الاحتلال كمحمد الضيف الذي فقد ساقيه وعينه في احدى الغارات الإسرائيلية، ويحيى سنوار الذي قضى 22 سنة من عمره في سجون الاحتلال حيث تعرض لتعذيب جسدي ونفسي كبير.

لو فشل هؤلاء القادة المدعومون من طهران ودمشق، في خلع أو عزل خالد مشعل، سيكون الخيار الوحيد المتبقي أمام الشباب الفلسطيني في قطاع غزة هو تنظيم داعش، الذي ظهر منذ سنتين تحت اسم كتائب الشهيد عمر حديد، حاملاً الراية السوداء والبيعة لأبي بكر البغدادي. سلاحهم متطور جداً، جاء عبر صحراء سيناء من أرض المعركة الليبية، وهو يستخدم اليوم ليس لمحاربة اسرائيل بل لتصفية قادة حماس، فمعظمهم منتسب الى تنظيم عمر حديد، وهم منشقون عن حماس، ويعرفون جغرافية القطاع وخباياه جيداً، ويعرفون موقع مخازن السلاح، ومخابئ المال. هم يحضِّرون لثورة جديدة، جهادية متطرفة بإمتياز هذه المرة، ويعدون الشعب الفلسطيني باعطائه ما لم تستطع حماس إعطاءه لهم منذ تدهور علاقتها من ايران عام 2012، اي رواتب منتظمة، وقيادة حقيقية للبلاد والعباد، ولو كانت تشبه نظام الحكم في مدينة الرقة السورية. فشل حماس في غزة يشبه فشل البعث في الرقة، ونوري المالكي في الموصل والرمادي. وكلما ازداد فقر القطاع ازداد بؤس أهله. وكلما كثر الانشقاق عن حماس وقلّت فرص دخول أي لاعب خارجي إلى التسوية عدا تنظيم داعش، وكلما انعدمت فرص ميانة أحد اللاعبين على سكان المنطقة، سواء كان ايرانياً أم سورياً ام روسياً.

اللاعب الروسي يدرك هذه الحقيقة جيداً وأن الوقت ليس لصالحه في الشأن الفلسطيني، لذلك عليه أن يسرع بايجاد حل توافقي بين حماس وفتح يحفظ ما تبقى من الدولة الفلسطينية، ويوحِّد البندقية ضد داعش لا اسرائيل، ويعيد ترتيب البيت الداخلي داخل حركة حماس لإستيعاب الجيل الجديد، المحبط جداً والغاضب جداً من ماضيه البعيد والقريب.