المهمة المستحيلة للأمين العام الجديد للأمم المتحدة

عندما غادر تريغفي لي الأمين العام للأمم المتحدة، منصبه نهاية العام 1952، خاطب خلفه السويدي داغ هامرشولد قائلاً: سوف تستلم مهمة مستحيلة، نظراً لتعقيدات المشهد السياسي الدولي يومها في بدايات الحرب الباردة. ولعل الكلام نفسه ينطبق على الأمين العام الجديد انطونيو غوتيريس الذي تسلم مهامه من بان كي مون في اليوم الأول من العام الجديد، في ظل حرب باردة جديدة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية.

غادر بان كي مون الامانة العامة بعد عشر سنوات من تسلُّمها، في ظل تكهنات أنه سوف يترشح لرئاسة الجمهورية في بلده كوريا الجنوبية، حيث عمل سفيراً ووزيراً في السابق قبل توليه منصبه الأممي. هذا الأمر مخالف طبعاً لقوانين الأمم المتحدة، حيث يتوجب على أي أمين عام منتهية ولايته ألا يترشح لأي منصب حكومي في بلاده، ولكن هذه القاعدة خُرقت مراراً، ولن يكون بان كي مون أول المخالفين… فقد ترشح الأمين العام الرابع كورت فالدهايم لرئاسة النمسا وفاز بها عام 1986، كما ان الأمين العام الخامس خافير بيريز دي كويلار حاول الوصول الى سدة الرئاسة في البيرو عام 1995.

سيكون لسجل بان كي مون الأممي دور رئيسي في تحديد مستقبله السياسي، وسيقيّم التاريخ هذا الرجل بموجب كل ما فعله ولم يفعله في فترة عمله الأممي. كانت فترة بان كي مون الأممية محبطة للآمال بالنسة لعالمنا العربي، من دون أي شك، وباهتة بلا لون أو وزن سياسي حقيقي بالنسبة للعالم أجمع. تعامل بان بضعف يصل الى حد الجبن مع عدد من الأمور الجوهرية، منها العراق وليبيا وسوريا. وقبل توليه المنصب بثمانية واربعين ساعة مثلاً أُعدم الرئيس العراقي السابق صدام حسين فجر عيد الأضحى، في استفزاز واضح لسنّة العراق، ولم ينتقد بان كي مون القرار وآلية تنفيذه على ايدي ميليشيات جيش المهدي، بالرغم من عُرف قديم ومتبع في الأمم المتحدة يدين العقاب عن طريق الإعدام.

قرر بان كي مون ببساطة الإبتعاد عن المشهد العراقي وتعقيداته بعد وقوع تفجير انتحاري في احدى فنادق العاصمة بغداد في صيف العام 2003 اودى بحياة 22 موظفاً أممياً على رأسهم ممثل الأمم المتحدة في العراق سيرج دي ميلو. وبدلاً من تحمل مسؤلياته التاريخية أمام الشعب العراقي وقف بان على الحياد وسمح للعراق، الذي شنت عليه الحرب الأميركية – البريطانية من دون تفويض أممي، سمح له أن يسقط في دوامة عنف طائفي مخيفة بين ميليشيات طائفية، ولم يصدر عن الأمين العام الا بيانات الشجب والاستنكار والقلق.

قرر السيد بان أن يصرف وقتاً وجهداً ومالاً على أمور اخرى غير سياسية يسهل عليه التعامل معها، مثل محاربة مرض الأيدز ومعالجة الإحتباس الحراري. وعندما اندلعت نيران ما عرف بالربيع العربي نهاية العام 2010، فشل بان كي مون فشلاً ذريعاً في وقف العنف

في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، ولم يفعل شيئاً يذكر في محاربة الإرهاب، وفي تخفيف آلام ملايين اللاجئين السوريين في رحلتهم عبر مياه المتوسط من بلدهم الممزق الى بر الأمان على الشواطئ الأوروبية. السلال الغذائية والبطانيات وبعض النقود التي وزعت على لاجئي مخيمات الأردن ولبنان لم تكن تعالج جوهر الصراع في سوريا وسبب خروج هؤلاء السوريين من بلادهم، بل تطرقت فقط الى افرازاته.

يرث السيد أنطونيو غوتيريس كل اخفاقات سلفه في تلك المهمة المستحيلة، وعليه ايقاف الحروب الدائرة، ليس في سوريا فقط، بل في اليمن وليبيا والعراق، لو اراد أن يكون مختلفاً حقاً عن بان كي مون. الحل يبدأ وينتهي طبعاً في وقف العنف في سوريا، وهناك مؤشرات ايجابية بعد توصل روسيا وتركيا الى اتفاقية وقف اطلاق النار نهاية العام الماضي، مدعومة بقرار أممي صدر في الساعات الأخيرة من العام 2016. ولكن غوتيريس يدرك أن الوقت ليس في صالح الأمم المتحدة، فاللاعب الروسي يقوم بترتيب حل شامل للأزمة السورية بمفرده، ومن دون الرجوع الى المنظمة الاممية، لقلة ثقة الروس والسوريين بهذه المؤسسة التي خذلتهم مراراً وتكراراً منذ العام 2011. الرئيس فلاديمير بوتين يُحضّر لمؤتمر مفصلي في عاصمة كازاخستان منتصف الشهر الجاري، بين الحكومة السورية والفصائل المسلحة، بحضور وزراء خارجية روسيا وتركيا وايران ومن دون رعاية من الأمم المتحدة، سيكون حضورها بصفة مراقب في مؤتمر استانا، أو مشارك في أحسن الحالات. ويحاول الروس استبدال المبعوث الأممي ستيفان ديمستورا، المحسوب على وزير الخارجية الاميركي جون كيري، بشخصية جديدة مقبولة من الكرملن، يعتقد انها الدبلوماسية الهولندية سيغريد كاغ التي اشرفت على تدمير سلاح سوريا الكيماوي منذ سنتين، نظراً لانحياز ديمستورا الى طرف المعارضة السورية، بحسب اعتقاد الجانب الروسي والحكومة السورية.

طبعاً لا يخفى على أحد دخول عنصر جديد في الحرب السورية، هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سيستلم مهامه نهاية هذا الشهر، وهو مثله مثل نظيره الروسي، غير مقتنع بالمنظمة الأممية.

في آذار/مارس الماضي قال ترامب: لا يأتيني شيء من الأمم المتحدة، هم لا يحترموننا ولا يفعلون ما نريد، ومع ذلك نحن نمولهم بشكل غير متكافئ. هدد ترامب مراراً بقطع التمويل الأميركي للأمم المتحدة، علماً ان واشنطن وحدها تعطي المنظمة ما لا يقل عن ٢٢% من ميزانيتها السنوية، ولو فعل ذلك ستكون أثار قراره كارثية على الأمين العام الجديد، وتحرمه من مال هو في أشد الحاجة اليه لاستكمال مشاريعه في نشر قوات حفظ سلام وايجاد ممرات انسانية لمناطق الصراع في العالم، ودعم برامج حقوق الانسان. في هذا المجال يختلف الرئيس ترامب كثيراً عن باراك أوباما الذي كانت تجمعه علاقة طيبة مع بان كي مون. فقد أصر الرئيس الاميركي المنتهية ولايته على التعاون مع الأمم المتحدة في فرض المزيد من العقوبات على كوريا الشمالية وايران، واستخدم غطاءها لشن الحرب على ليبيا عام 2011.

طبعاً ينتظر كثيرون احتمال ولادة تحالف عالمي جديد بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب قوامه محاربة تنظيم داعش، ويسمح لقيصر روسيا بأن يرث الشرق الأوسط بكل مشاكله وهمومه في السنوات الأربع المقبلة. يعتقد أن هذا الحلف الجديد، في حال نضوجه، ستكون له اثار ايجابية على آلية اتخاذ القرارات المصيرية داخل مجلس الأمن، ولكنه سيف ذو حدين. صحيح أنه سيخفف من متاعب النقاشات داخل مجلس الأمن ولكنه قد يؤدي الى حالة من التجاهل التام للأمم المتحدة من قبل ترامب وبوتين. كل من الرجلين يعرف ما يريد من المنطقة والعالم، وقد رسما حدود طموحاتهما بوضوح، وهما لا ينتظران تفويضاً من أحد، ولا ينويان مشاركة احد في رسم خارطة العالم الجديد. من غير المستبعد أن يعملا منفردين على فرض حلول إقليمية ودولية من دون اخذ موافقة الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أو حتى التشاور معه، تماماً مثلما فعل قادة أوروبا عندما دخلوا الحرب العالمية الثانية من دون الرجوع الى عصبة الأمم، أو الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، عندما دخل العراق منفرداً من دون انتظار أي قرار أممي.

لو فعلوا ذلك ستكون مهمة انطونيو غوتيريس حقاً مستحيلة ويكون نصيبه لا يختلف كثيراً عن سلفه في الفشل: الأول بسبب عدم الإرادة والثاني بسبب عدم القدرة على الوقوف في وجه رؤساء أقوياء لا يكترثون كثيراً بالقانون الدولي وتوابعه.

نشر في مجلة الصياد يوم 15 كانون الثاني 2017