عن الجنس والأبراج وفن الطبخ

عاد معرض الكتاب السنوي للعاصمة السورية منذ أشهر قليلة بعد إنقطاع دام خمس سنوات، بسبب الحرب الطاحنة الدائرة في البلاد منذ عام 2011. كان معرضاً هزيلاً بالمقارنة مع سنوات مضت، لم يشارك فيه الا القليل القليل من الدول العربية أما خوفاً من الأوضاع الأمنية، وأما بسبب مقاطعة معظم الدول العربية، نظراً للخلاف السياسي بين دمشق ودول الخليج العربي. في سنوات ما قبل الحرب السورية، كانت هذه الظاهرة الثقافية قد بدأت تتراجع بشكل ملحوظ وبكل أسف، نتيجة الغزو الديني لعالم الكتابة والنشر. وكنا لا نرى على رفوف العارضين الا الكتب الفقهية والسنية والشيعية، وفي الحديث الشريف والسيرة النبوية، ومصاحف، وتراجم للقرآن الكريم إلى لغات عدة، في اشارة صارخة الى أسلمة المجتمع العربي وإنغلاقه على نفسه فكرياً وأدبياً.

الكتب العلمية كانت قليلة جداً بالنسبة لأمة شعّت نوراً وعلماً على العالم في يوم من الأيام، وقد تكون غائبة كلياً بالفيزياء والكيمياء والتكنولوجية الحديثة وهندسة الاتصالات والضوء. وبدلاً عنها كنا نجد، أيضاً وبكل أسف، طيفاً واسعاً من المنشورات عن الطبخ والجنس والأبراج. في الشعر كانت لا تباع الا أعمال الراحلين أمثال نزار قباني ومحمود درويش والمتنبي، أي لا حركة شعرية معاصرة تذكر في عالمنا العربي، ولا روايات تباع، سواء المترجم منها عن غابرييل ماركيز وباولو كويلو وغيرهما من الأدباء العالميين.

لم ينجب العالم العربي خليفة لنزار قباني مثلاً، أو سعد الله ونوس، أو محمد الماغوط أو فاطمة المرسيني أو غادة السمان، وكأن الإبداع جف وتوقف عند ذلك الجيل من الكتاب العرب، باستثناء بعض الإستثناءات المضيئة مثل خالد خليفة السوري وأحلام مستغانمي الجزائرية. طبعاً كان المعرض يغص بأدبيات القوميين العرب والبعثيين، وفيه الكثير من الكتب عن الصهيونية، وعن جمال عبد الناصر وعصره، ويتصدره الجناح الليبي الأخضر بإبداعات العقيد معمر القذافي، الموجز منها والكامل، على قرص مضغوط، أو على كاسيت، أو بطباعة فاخرة تليق بتنبؤات وحكم الكتاب الأخضر. معظم الكتب السياسية المعروضة كانت اما عن عصر مضى، الأموي والعباسي والأيوبي، وأما معاصرة مبنية على نظريات المؤامرة، وتعالج فشلنا الرهيب في نهضة هذه الأمة، وتلقي اللوم إما على الصهيونية أو على الإمبريالية، أو الرأسمالية العالمية أو الغطرسة الأميركية أو الماسونية، وليس على العرب أنفسهم.

بالمختصر، جميع الكتب كانت عن الماضي لا عن المستقبل…

بحسب منظمة اليونيسكو، فإن جمهورية الصين الشعبية تنشر 440 ألف كتاب جديد سنوياً، عن العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والتاريخ، وهو رقم يفوق الولايات المتحدة الأميركية والتي تصدر 304 ألاف عنوان جديد كل عام. بريطانيا تنشر 184 ألف كتاب سنوياً، وتليها روسيا ب 100 ألف كتاب. الملفت ان إيران تصدر 72 ألف كتاب، وهي تتفوق على اسبانيا وفرنسا وايطاليا، واما في عالمنا العربي، فتأتي مصر في المرتبة الأولى وفيها 9000 كتاب جديد كل عام، تليها السعودية ب 3900 كتاب، ولبنان بفارق بسيط أي 3800 كتاب. اما في الدول التي عصفت بها رياح الحرب في السنوات الماضية، فنجد في سوريا مجرد 1000 كتاب سنوياً وتونس 720 كتاباً وليبيا 24 كتاباً، ولا وجود للكتاب في قوائم الامم المتحدة للعراق واليمن. وسلطنة عُمان تصدر ما يعادل سبعة كتب سنوياً، وتسبقها أريتيريا الفقيرة وفلسطين المحتلة.

في العالم العربي، وبحسب الناشرين، فان أي كتاب جديد لا يطبع منه الا الف نسخة كطبعة أولى، و٤٠% منها لا يباع ويعاد الى الناشر. عدد سكان العالم العربي يقترب من 400 مليون نسمة اليوم، معظمهم يعيش ظروف حرب وفقر وجوع، ويصدر عنها مجتمعة ما يعادل 15 ألف كتاب سنوياً، وهو رقم هزيل يعادل حركة النشر في بلد مثل رومانيا، التي لا يتجاوز عدد سكانها 21 مليون نسمة. ولا يوجد عدد حالي للمكتبات في سوريا والعراق واليمن وليبيا، لأن معظمها حُرق أو اُغلق في السنوات الماضية، ولكن في حديث مع أحد القائمين على مكتبة الأسد الرسمية في دمشق، قال لي أن عدد الباحثين والقراء كان يتراوح ما بين 12 و15 ألف شهرياً، وانه اليوم لا يتجاوز 1500 – 2000 كل شهر. ظروف الحرب هي خير شفيع لهذا التراجع الرهيب، ولكن ماذا عن الدول الثرية في عالمنا العربي، حيث يوجد استقرار سياسي واقتصادي وقوة شرائية عالية، وتُصرف الاموال على السيارات والقصور لا على الكتب. وفي مملكة البحرين خمسة مكتبات نظامية، و3 في السعودية، و7 في الكويت، و3 في عُمان، و5 في قطر، و3 في دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي اسرائيل ثمانية ملايين نسمة ويصل عدد مكتباتها الى 300 ويباع فيها 35 مليون عنوان سنوياً، وتنشر أكثر من 4000 كتاب كل عام.

يُقال ان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحاق رابين سئل ذات يوم في بداية ثمانينات القرن الماضي عما إذا كان يخاف على مستقبل الدولة العبرية من العرب، فأجاب بسخرية وحزم: كلا، لا خوف منهم بالمطلق، فنصف سكان العالم العربي لا يقرأ والنصف الأخر لا يفهم ماذا يقرأ.

نشر في مجلة الصياد يوم 17 كانون الأول 2016