تغيرت التواريخ والأسماء وبقيت حلب

عند اندلاع عصيان مسلح ضد الرئيس السوري أديب الشيشكلي عام 1953، وصف الضابط الشجاع صانع الانقلابات اعداءه بالقول: هم مثل الأفعى…رأسها في حلب شمال سوريا، وبطنها في حمص وسط البلاد، وذيلها في جبل الدروز جنوب سوريا. اضاف قائلاً أنه لو قطع الرأس تموت الأفعى ومعها العصيان.

التشابه بليغ بين الأمس واليوم…

رأس العصيان السوري هذه المرة، ورمزه السياسي والعسكري هو في شرق مدينة حلب، الخاضع لسيطرة المعارضة المسلحة منذ عام 2012. بدأت هذه القبضة تتراخى اثر الضربات العنيفة التي تتعرض لها حلب الشرقية منذ اسابيع من قبل الجيش الروسي جواً والسوري براً. ويعتقد صانعو القرار في كل من موسكو ودمشق أنهم لو قطعوا رأس الأفعى في حلب تنتهي الحرب السورية كما عرفناها منذ عام 2011، وتتوجه فقط الى محاربة تنظيمي جبهة النصرة وداعش.

وبناء على هذا التقييم تتعرض حلب بقسميها الغربي والشرقي لجحيم مفتوح منذ بداية هذا الصيف، لم يسلم منه لا حجر ولا بشر، ولا أطفال ولا مستشفيات ولا مدارس. ولكن حلب الصامدة بجرحها النازف مرت من هذا الطريق سابقاً وتعرضت لحصارات أطول وخراب أوسع، ولكن في عصور ما قبل الفايسبوك والتويتر والبث المباشر عبر الفضائيات. تماماً كما هي حالها اليوم. حلب حوصرت ونُهبت وحُرقت مرات، وتم احتلالها وتحريرها مرات ومرات.

الويلات لم تكن دوماً عسكرية وسياسية، فعلى سبيل المثال، في تشرين الأول/اكتوبر عام 1138 ضرب زلزال مدمر مدينة حلب، هو ثالث أقوى زلزال عبر التاريخ، وقتل 230 ألف شخص داخل المدينة وفي ضواحيها.

جاء زلزال أخر ليلة رأس السنة عام 1344 ليمزق حلب من جديد وليدمر قلعتها التاريخية، وتلاه وباء الكوليرا عام 1823، ثم الطاعون سنة 1827 فحصد ما بين 20 و٢٥% من ارواح سكان المدينة المنكوبة.

عند وصول خالد بن الوليد الى مشارف حلب عام 637، ضرب طوقاً عسكرياً حولها وحصاراً دام ثلاثة أشهر مما أجبر القائد البيزنطي الحاكم يومها على الاستسلام في خريف ذلك العام.

ثم جاء حاكم المغول هولاكو الى حلب عام 1260، وقصف المدينة من دون توقف لستة أيام بلياليها، ثم أمر باقتحامها بالسيف لذبح رجالها وسبي نسائها. دمرت القلعة مرة اخرى ومعها الجامع الأموي الكبير، الذي دمرته الحرب الطاحنة الحالية مجدداً في نيسان/ابريل 2013.

في عام 1400 حُرقت حلب مرة ثانية، وهذه المرة على يد تيمورلنك القادم من وسط آسيا، والذي قيل أنه بنى برجاً من جماجم الحلبيين على اسوار المدينة قبل ان يأمر رجاله بالزحف على دمشق لتدميرها بالكامل ايضاً.

في عام 1850، سقطت حلب في دوامة عنف طائفي بين المسلمين والمسيحيين، قبل عشر سنوات من الاحداث الدامية التي شهدها جبل لبنان والاحياء المسيحية في مدينة دمشق. أدى الصراع والاقتتال الى فراغ في سلطة المدينة قامت ميليشيات محلية بملئه، الى أن تدخّل الجيش العثماني النظامي لاعادة الأمن والاستقرار.

في موقعها الجغرافي في آخر طريق الحرير الواصل الى الصين كانت حلب محوراً أساسياً للجميع ومحجاً للتجار وقوافلها منذ بداية التاريخ وحتى تأسيس شركة قناة السويس للملاحة البحرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي جعلت النقل البحري أسرع وآمن وأوفر من التجارة البرية.

خلال القرون الأربعة للدولة العثمانية كانت حلب تفوق دمشق أهمية كونها الأغنى والسوق الاكبر للبضائع الآتية من الشرق الأدنى الى دول المتوسط، مما جعل شركة المشرق اللندنية المساهمة والمسؤولة عن تجارة الانكليز مع الدولة العثمانية، تفتح مقرأ دائماً لها في حلب. شجعت هذه الشركة عدة قنصليات غربية على ان تأتي الى حلب، وكانت مدينة البندقية الإيطالية أول من فتح مكتباً لها في حلب عام 1548 وتلتها فرنسا عام 1562، وبريطانيا عام 1583، وهولندا عام 1613.

كانت حلب ثالث أكبر مدينة في السلطنة العثمانية، بعد القاهرة والقسطنطنية. وصلت شهرة حلب لدرجة أن المسرحي البريطاني الكبير وليام شكسبير ذكرها مرتين في روائعه، الأولى في مسرحية عطيل عام 1604 والثانية في مسرحية مكبث عام 1606.

في العصر الحديث، جاء الانتداب الفرنسي عام 1920 ليقسم سوريا الى عدة دويلات، والهدف كان تمزيق الحركة الوطنية، فأصبحت حلب دولة مستقلة، ومعظم سكانها من العرب مع وجود كردي قوي في المنطقة الشرقية التابعة لها ووجود للمسيحيين الأثرياء في حلب المدينة. بلغ عدد سكان الدولة 500 والفين من المسلمين السُّنة ٨٣.١%، وثلاثين ألفاً من العلويين ٥%، و52 ألفاً من المسيحيين ٨.٦%، إضافة إلى سبعة آلاف يهودي ١.٢% وثلاثة آلاف أجنبي من ديانات وجنسيات مختلفة.

علم دولة حلب رفع فوق دوائرها، أبيض اللون مزيّن بثلاث نجمات صفراء وعلم فرنسي صغير في أعلى الجانب الأيسر. في فترة قصيرة جداً من تاريخها لا تتجاوز الثمانية أشهر، أصبحت حلب هي عاصمة سوريا أيام الجنرال غورو، لتدير شؤون دولة دمشق ودولة العلويين ضمن ما عُرف يومها بنظام الاتحاد السوري الفيدرالي.

بعد الاستقلال، أسست مجموعة من أعيان حلب حزباً للدفاع عن مصالحها السياسية والاقتصادية في وجه هيمنة الدمشقيين، عُرف باسم حزب الشعب. وصل هذا الحزب الى الحكم بشكل ديمقراطي عام 1949، وأصبح أحد مؤسسيه الدكتور ناظم القدسي رئيساً للوزراء ورفيقه رشدي الكيخيا رئيساً لمجلس النواب. وحاول الرجلان ابرام وحدة مع العراق الهاشمي المجاور تحفظ حقوق حلب الاقتصادية والتاريخية، ولكن العسكر كانوا بالمرصاد واجهضوا المشروع كليأ.

تراجعت حلب صناعياً وتجارياً أيام الوحدة مع مصر بسبب قرارات التأميم التي دمرت اقتصاد المدينة ورجالاتها، وفي غد الانفصال وصل أحد ابناء حلب ناظم القدسي، الى سدة الرئاسة في دمشق وهو اول رئيس حلبي تعرفه البلاد منذ تأسيس الجمهورية، وآخر رئيس من حلب كان الجنرال محمد أمين الحافظ، الذي حكم في بدايات دولة البعث ما بين 1963و1966.

تاريخ العالم مرّ عبر هذه المدينة، ومازالت حلب هنا، ضعيفة ومشوهة طبعاً ولكنها حاضرة، بالرغم من كل ما شهدته من مآسي.

هي لم تمت، وبالرغم من كل آلام اليوم وويلاته، فإن التاريخ خير دليل على أنها لن تموت.

نشر في مجلة الصياد يوم 3 كانون الأول عام 2016