صدق بن غوريون عندما قال…

في عددها الأخير، نشرت مجلة تايم الأميركية مقالاً عن رحيل شمعون بيريس، يقول ان عبارة صراع الشرق الأوسط التي رسمت معالم حياة بيريس المديدة لا تشير الى اسرائيل والشعب الفلسطيني بعد اليوم، بل حصراً الى حرب سوريا وتنظيم داعش. جاء هذا الكلام الخطير قبل ايام قليلة من الذكرى التاسعة والتسعين لوعد بلفور، الذي شكّل حجر اساس ما عرف يوما بصراع الشرق الأوسط في شكله المعاصر.

طغت الحرب السورية على كل اخبار الأراضي المحتلة وصارت مجازر تنظيم داعش هي محط انظار شاشات جميع الفضائيات. وقد تمرُّ أشهر عديدة او حتى سنوات طويلة قبل ان نسمع خبر استشهاد شاب فلسطيني على يد جندي اسرائيلي، وفي حال سمعناه، معظم الناس سوف تقلب الى محطة أخرى لأنهم شبعوا من اخبار الموت والدمار في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن. مفهوم النضال تغير كثيرا هو الأخر عند الشارع العربي، فقد سقط مصطلح الفدائي كما عرفناه في الستينيات والسبعينيات واستُبدل اليوم بالجهادي وصارت راية داعش السوداء ملهمة اكثر بألف مرة من بيريه غيفارا والكوفية الفلسطينية التي كانت لسنوات طويلة رمزا للنضال والمقاومة.

علينا ان نسأل انفسنا عن سبب هذا التغيير الملفت عند هؤلاء الشباب؟ الجواب الأول طبعاً يكون في الانظمة العربية نفسها التي خذلت الشعوب منذ نكبة عام 1948 وتركت فلسطين في مهب الريح، ولا تتذكرها الا في الخطب الحماسية أو في التعبئة الطلابية، وتحكم بالحديد والنار بإسم القضية الفلسطينية. مع مرور الوقت فَقَد هذا الكلام المؤدلج الرنان بريقه، وكُشفت الحقائق أمام الناس، وتبين أن لا احد ينوي تحرير شبر واحد من ارض فلسطين، او تقديم أكثر من دعم شفهي لأهلها.

على العكس كانت فلسطين قميص عثمان للحكام العرب، يتاجرون به ويعطون لأنفسهم شرعية عن طريقه. السبب الأخر هو سجل الدول العربية الحافل بالهزائم المتتالية منذ قيام الدولة العبرية وحتى الآن، فلا انتصار يذكر لهم الا معركة الكرامة عام 1968، ومعركة سلطان يعقوب للجيش السوري عام 1982، واخيراً تحرير الجنوب اللبناني عام 2000. عدا عن تلك المعارك فان العرب هزموا في كل حروبهم العسكرية والسياسية والاقتصادية والاعلامية ضد اسرائيل، فظهر جيل جديد يفضل الإبتعاد عن القضية على الإستمرار في هذه المعركة الخاسرة والمخجلة.

السبب الثالث هو احتلال العراق وكل الخراب والمصائب التي حلت على سكان الشرق منذ عام 2003. فمن غير المعقول أن يطالب المواطن السوري مثلا أو العراقي ان ينصر أو يتابع مجريات القضية الفلسطينية، أو ان يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين انفسهم، في الوقت الذي يحترق بيته الداخلي في كل من دمشق وبغداد. كيف للسوريين والعراقيين ان يطالبوا بحق العودة للفلسطينيين وقد صار عندهم ملايين اللاجئين السوريين والعراقيين؟

الحرب الطاحنة في بلادهم انزلت هذا الشعب العزيز والنبيل الى أسفل درك العوز والجوع والعطش، فلم يبقَ متسع لفلسطين لا في قلوبهم ولا في عقولهم. دفع العالم العربي ثمناً باهظاً من احلامه وثرواته باسم القضية الفلسطينية. الحكومات العربية قامت على مدى 68 سنة بعسكرة مجتمعاتها باسم القضية، وشرّعت القمع والاعتقالات التعسفية والمحاكم الصورية بحجة وفائها للشعب الفلسطيني. والنتيجة كانت مجتمعات متخلفة في الشرق الأوسط، يحكمها الجهل والخوف، مهزومة داخلياً وخارجياً، وغير قادرة على اعطاء شيء، الا الدعاء للشعب الفلسطيني.

لو كانت اسرائيل محاطة بانظمة ديمقراطية حقيقية لكان العرب تفوقوا عليها بعلمهم وعملهم واقتصادهم. ولهذا السبب اسقطت الديمقراطية السورية الوليدة على يد الزعيم حسني الزعيم عام 1949، المدعوم من قبل وكالة الاستخبارات الأميركية، وخلع الملك فاروق عن عرشه بعد ثلاث سنوات، وسقطت معه النخبة المصرية المتنورة، ثم وقعت مجزرة قصر الرحاب في بغداد صيف عام 1958 لتفتح الباب امام حكم العسكر ولتصلنا بعد عشرين سنة تماما الى رجل يدعى صدام حسين، واشعلت نيران الحرب اللبنانية عام 1975، ولم تنطفىء حتى اليوم، فاسرائيل لا يناسبها التفوق والتقدم والرقي في جوارها العربي.

حدثني يوماً احد المسؤولين السوريين في القصر الجمهوري مطلع عام 1958، قبيل اعلان الوحدة مع مصر، عن تقرير استخباراتي سري وصل الى دمشق من رئيس المخابرات المصرية المعيَّن حديثاً صلاح نصر، عن اجتماع دار في تل ابيب بين رئيس الحكومة موشي شاريت وسلفه الاب المؤسس للدولة العبرية دايفد بن غوريون. قال شاريت أن اسرائيل تحتفل بالذكرى العاشرة لاستقلالها، وانها لا يمكن ان تستمر وتنمو في ظل نهضة سوريا ولبنان والعراق على المستويات السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، كما كان الحال في الخمسينات. اقترح شاريت بث الفوضى واشعال النار في كل هذه الدول، واقترح البدء بالعراق، كونه الاكبر والأغنى، فرفض بن غوريون وقال: لا نريد ان نزعج الانكليز، فلنؤجل العراق قليلاً. سأله شاريت: لنبدأ اذاً في لبنان، فهو الاصغر والأضعف؟. عارضه بن غوريون مرة ثانية وقال: دعه، لا نريد ان نزعج الفرنسيين، عليك أن تؤجل لبنان قليلاً. نفذ صبر شاريت وقال: ما رايك بسوريا؟.

ابتسم بن غوريون ولمعت عيناه، بحسب التقرير المصري، واجاب: سوريا ممتازة، البلد مليء بالاقليات والاثنيات، وكل سكانه بدون استثناء يرغبون بالوصول الى سدة الحكم في دمشق بأي ثمن كان، ولكن عليك بالتريث قليلاً.

ومات بن غوريون وبقيت تلك ال قليلاً معلقة الى ان نُفذ مشروعه بدقة في كل من هذه الدول، واحدة تلوى الاخرى، وصاروا اليوم لا يشكلون تهديدا على احد، وتحولوا الى مجرد حطام يزوره الناس لرؤية الماضي لا المستقبل…

مجلة الصياد، 20 تشرين الثاني 2016