في الذكرى الحادية عشرة لإستشهاد مصطفى العقاد

يعتبر هذا الفيلم، فيلم الرسالة، من أبهى حالات الإبداع لرجل حاول جاهداً إظهار صورة الإسلام الحقيقية وسقط قتيلاً على يد نقيضه في الدين والتاريخ. كان القاتل يومها أبا مصعب الزرقاوي، الأب الروحي لما عُرف لاحقاً بتنظيم داعش، والقتيل هو المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد، صاحب الرسالة وعمر المختار. كان مسرح الجريمة أحد فنادق العاصمة الأردنية عمّان، حيث جاء العقاد مع ابنته الجميلة ريما لحضور زفاف أحد الأصدقاء، وسقط كلاهما بفارق أيام معدودة على يد تنظيم القاعدة، توفيت ريما على الفور وفارق والدها الحياة في احدى المستشفيات الأردنية في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2005.

تشرّفت بلقاء مصطفى العقاد بإسمه الكبير، مرات عدة في دمشق وحلب، وكان اللقاء الأخير بيننا في بطريركية انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في الشارع المستقيم، عندما دعانا البطريرك هزيم الرابع رحمه الله على شرف النجم العالمي شون كونوري، الذي جاء إلى دمشق مع العقاد يومها للتحضير لفيلم صلاح الدين الأيوبي، العمل الضخم الذي لم يرَ النور طبعاً، بسبب مقتل العقاد بعد أشهر قليلة. آخر ما قاله العقاد لي يومها: الجيش الأميركي اشترى نسخاً كثيرة من فيلم الرسالة قبل عزو افغانستان والعراق ووزعها على الجنود ليعرفوا المزيد عن دين الإسلام قبل مواجهة المسلمين، ومن الواضح أنهم لم يفهموا شيئاً قط لا عن الفيلم ولا عن الإسلام!

بعد مقاطعة السعودية لفيلم الرسالة حاول العقاد أن يجد مصادر تمويل عربية لأفلامه الهادفة، ولكنه لم يوفَّق إلاّ مع العقيد معمر القذافي في فيلم عمر المختار عام 1981. فلجأ إلى إنتاج أفلام رعب هوليوودية مربحة في شبّاك التذاكر العالمي، في الوقت الذي كان الإعلام الأميركي والإسرائيلي يسيئ ويشوه الدين الإسلامي، بمساعدة المسلمين أنفسهم طبعاً، عمل العقاد جاهداً على إظهار الصورة الأخرى والحقيقية للإسلام عبر أبطال مسلمين مثل حمزة بن عبد المطلب، وعمر المختار، وصلاح الدين الأيوبي، والنبي محمد نفسه، لينزع عن أبو مصعب الزرقاوي وأسامة بن لادن أي إحتكار للدين الإسلامي ويبرئه منهما.

كان مبدعاً في صناعة الرعب، وأمضى أكثر من عشرين عاماً وهو يزرع الخوف في قلوب المراهقين الأميركيين من خلال سلسلة أفلام هالوويين الشهيرة، وجاء جزؤها الأول عام 1978، كان الهدف منها جمع مبلغ من المال لينتج حلمه الكبير صلاح الدين الأيوبي بنفسه من دون أية مساعدة من الحكام العرب أو الأنظمة العريية. لم يدرك العقاد حينها بأن سخرية القدر ومفارقات التاريخ سوف تلعب لعبتها بخبث، لتجعل صناعة الرعب فناً مربحاً ليس له وحده، بل لكل مخرجي السياسة في الشرق الأوسط، وأن وطنه الأم سوريا سيتحول قريباً إلى أبشع فيلم رعب عرفه التاريخ والعالم منذ قرون.

يصادف يوم ١١/١١/٢٠١٦ الذكرى الحادية عشرة لسقوط مصطفى العقاد شهيداً على يد الإرهاب لينضم إلى قافلة طويلة من الشهداء السوريين الذين سقطوا ضحايا الإجرام نفسه ولو بعد سنوات قليلة. نعم، مصطفى العقاد كان أولهم. تغير العالم رأساً على عقب منذ ذلك التاريخ جاء ما يسمى بالربيع العربي لتلتهم نيرانه مدينة حلب، حبيبة العقاد وإحدى أجمل مدن الأرض، وليمزق هذا الربيع رسالة العقاد بين يدي أبو بكر البغدادي وأبو محمد الجولاني، اللذين حولا الربيع الى خريف، وحولا الإسلام من دينِ تسامح ومغفرة إلى هدفٍ رخيص ينال منه القاصي والداني بحجة أن هذا الدين يهدد العالم! السؤال الذي يطرح نفسه اليوم وبكل جدية؛ هل كان موت مصطفى العقاد صدفة؟ أم كان هو المستدهف الحقيقي في تفجيرات عمان ولم ندرك هذا الأمر يومها؟ قيل يومئذ أن الزرقاوي كان يهدف إلى زعزعة عرش النظام، والبعض قال بأنها عملية إسرائيلية تستهدف ضباط من الأمن الوقائي الفلسطيني كانوا يقطنون في الفندق مع خبراء من جمهورية الصين. ولم يتكهن أحد بأن يكون العقاد هو الهدف الحقيقي، وان الستين قتيلاً قضوا بسبب العقاد وليس العكس.

الرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت قال يوماً: في السياسة لا يحدث شيئ بالصدفة، فلو حدث تأكد أنه مخطط كذلك. لو سلمنا بأن مشروع التشويه الممنهج للدين الإسلامي كان مخططاً له منذ زمن، وأن أبا بكر البغدادي هو خليفة أبو مصعب الزرقاوي، لادركنا أنّ العقاد كان يشكل خطراً حقيقياً على هذا المشروع.

لو بقي العقاد على قيد الحياة لكان من المفترض أن يرى فيلم صلاح الدين النور مع منتصف عام 2012 أي مع بداية ظهور تنظيم داعش. حكماً كان سيسرق الأضواء وسيطرح صورة مختلفة عن الإسلام والمسلمين، ولكنه طبعاً لن يغير شيئاً في مسيرة مخطط قديم، ولكن من الممكن أن يربكه ويعطل بعض مفاصله الإعلامية. كيف لا وأعمال العقاد تنقد كل ما جاء به داعش؟ كان العقاد سيهبُّ لنصرةً مدينته واسلامه، ويفضح عبر شاشة هوليوود نفسها أن هذا الإرهاب لا يمثلنا، وان هؤلاء اللصوص لا يمثلون الإسلام، وحكماً لا يمثلون اهل السنة. ولكن مع الاسف لم يُسمح لمصطفى العقاد أن يصفع الزرقاوي، كما فعل سيدنا حمزة في فيلم الرسالة.

يبقى كل هذا طبعاً مجرد فرضية سوف يكشف التاريخ يوماً عن مدى صحتها. ولكن مجريات الأمور تؤكد أن المخطط الخبيث نجح ببراعة، فقد مات العقاد وأخمد صوته في هوليوود، وظهر داعش لينهش في جسم الإسلام ويدمر رسالته، وبقينا نحن كالبلهاء مع الجمهور المتفرج عكس حمزة بن عبد المطلب، نرتجف ونركع أمام أبي جهل، وهو يسرق تحت أعيننا ديننا وأمتنا ورسالتنا.

الى جنان الخلد يا مصطفى العقاد، لروحك السلام ولرسالتك ولحلب العظيمة طول البقاء.

نشر في مجلة الصياد يوم 11 تشرين الثاني 2016