دمشق ترحب بكم وتودعكم

نشر مركز كاتو الأميركي في واشنطن مؤخراً دراسة عن اللاجئين في الولايات المتحدة الأميركية، تقول أن احتمال مقتل مواطن أميركي على يد لاجئ داخل الولايات المتحدة، من دون تحديد جنسيته، لا تتعدى نسبة الواحد في ال 3.6 مليارات، في مقابل فرضية عالية تصل الى الواحد على ال 14 ألف لمواطن أميركي ممكن ان يقتل اما طعناً واما رمياً بالرصاص من قبل مواطن أميركي اخر، لأسباب اقتصادية او نفسية او عرقية. اضافت الدراسة أنه، وبعد احداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 ، وصل الى الولايات المتحدة 75 الف لاجئ من العراق والسودان وافغانستان وليبيا وسوريا، وأن ثلاثة منهم فقط القي القبض عليهم بتهمة الارهاب. مع ذلك قام 27 حاكم ولاية اميركية باغلاق ابواب ولايته امام اللاجئين السوريين. علق نجل المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب مؤخراً أن اللاجئين السوريين يشبهون سكاكر السكيتلز الأميركية الشهيرة، في اشارة منه الى انه لو قبلت الولايات المتحدة بواحد منهم فسوف لن تستطيع التوقف عن قبول المزيد، وان كثرة اللاجئين تماما مثل كثرة السكيتلز، تضر بالصحة ومن الممكن ان تؤدي الى من يتناولها بكثرة.

السبب وراء هذا الخوف من اللاجئين السوريين وعنصرية نجل دونالد ترامب وغيره، هو وتيرة العمليات الارهابية التي عصفت بأوروبا والعالم في السنوات الماضية، اخرها في مدينة نيس الفرنسية هذا الصيف، وتحديداً عند الدول التي فتحت ابوابها في استقبال اللاجئين السوريين القادمين على متن قوارب الموت عبر المتوسط.

منذ الف سنة وصل شاب دمشقي الى شواطئ أوروبا، هارباً من الموت والقتل في بلاده. دمشق كانت تحترق يومها، واقرباؤه من بني أمية كانوا يُقتلون ذبحا من الوريد الى الوريد على يد الجيل المؤسس للدولة العباسية. الامير الشاب عبد الرحمن كان لم يتجاوز العشرين سنة من العمر عندما أصبح لاجئاً سورياً. رمى بنفسه في مياه الفرات، ثم هرب الى فلسطين وبعدها الى المغرب، ليصل الى اوروبا في خريف عام ٧٥٥، بعد رحلة شاقة استمرت ست سنوات. أسس هذا الفتى الطموح دولة قوية في الاندلس حملت نَسَب اجداده من بني امية، وعرف منذ يومئذ باسم عبد الرحمن الداخل او صقر قريش. وغيّر هذا اللاجئ الدمشقي تاريخ العالم وتاريخ اسبانيا بالتحديد.

بعدها بقرون وصل لاجئ سوري اخر الى الغرب يدعى عبد الفتاح الجندلي من مدينة حمص وسط البلاد. وصل الى الولايات المتحدة عام 1950 ورزق بطفل اسمه ستيف وكُتب له ان يغير وجه العالم هو الأخر، ولكن عبر العلم والتكنولوجيا وليس عبر السياسة والغزوات العسكرية، عندما أسس شركة أبل واجهزة الأي فون التي باتت جزءاً رئيسياً من عالمنا اليومي.

قصة هؤلاء اللاجئين السوريين، الأموي والحمصي، قد تكون خير دليل على ان ليس كل من غادر سوريا مدان، وليس كل من بقي فيها مخلص، والعكس صحيح طبعا. لعلنا نجد في انجازاتهم وقصة نجاحهم بارقة امل لعشرة ملايين سوري هربوا من الموت والدمار في بلادهم خلال السنوات الخمس الماضية. كثير منهم لم يصل الى بر الأمان كما وصل عبد الرحمن الداخل، وسقطوا غرقاً في مياه المتوسط، مثل الطفل ايلان الكردي الذي ابكى العالم ببراءة طفولته المسلوبة عندما وصل الى السواحل التركية في ايلول/سبتمبر عام ٢٠١٥، جثة هامدة ضحية للحرب السورية.

اللجوء والحروب ليست جديدة على سكان هذا المشرق، وتحديداً على أهالي دمشق، فالمدينة بحد ذاتها عبارة عن خليط من المهاجرين، من عرب وترك وفرس وافارقة وشركس وكورد، جاءوا اليها عبر القرون هرباً من الموت او الجوع والعطش والبطش في بلادهم. البعض جاء باحثاً عن مسكّن أو علم او عمل. وكثيرون جاءوا لمناخها الجميل، كونها واحة في الصحراء، ومنهم معظم صحابة النبي الكريم الذي فضلوا العيش والموت في دمشق على حياة وقساوة مدن الصحراء بعد دخول الاسلام الى بلاد الشام. معاوية بن ابي سفيان مثلاً لم يكن دمشقياً وكذلك أول حاكم للمدينة بعد 400 عام من الحكم التركي الامير سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، الذي جاء الى دمشق من بلاده الثائرة عام ١٨٥٥ وعاش فيها وأحبها ومات فيها سنة ١٨٨٣. وفي العصر الحديث، فارس الخوري جاء من حاصبيا في لبنان، وعائلة الرئيس شكري القوتلي جاءت من العراق، ورئيس الوزراء عبد الرحمن الخليفاوي جاء من الجزائر، ورئيس البرلمان عبد القادر قدورة جاء من مدينة خمس الليبية، وساطع الحصري جاء من اليمن، ومحمد كرد علي جاء من السليمانية في العراق. الى اليوم هناك أحياء في دمشق على أسماء اللاجئين: حي المغاربة عند الطرف الشرقي لتربة الباب الصغير وحارة الهنود في سوق البزورية وحارة السودان في سوق ساروجا.

الموجة السادسة في التاريخ المعاصر

موجة اللجوء كانت دوماً ذهاباً واياباً، والموجة الحالية الهاربة من سوريا هي السادسة في التاريخ المعاصر خلال ١٠٠ عام وهي الأكبر من دون شك والاكثر اشكالية بسبب ظروفها الانسانية.

الموجة الاولى كانت خلال معارك السفربرلك ايام الحرب العالمية الأولى، عندما هرب السوريون الى اقاصي المعمورة هرباً من الخدمة الالزامية والموت المحتوم في صفوف الجيش العثماني. من أصل 2.8 مليون عربي سيقوا الى الخدمة في الجيش العثماني، اشتشهد 325 ألفاً منهم ما بين 1914-1918، و240 الفاً ماتوا نتيجة الامراض والاوبئة، وما لا يقل عن 200 الف فقدوا في ارض المعارك او أُسِروا من قبل الحلفاء، ٥٠% منهم كانوا من السوريين.

هرباً من ذاك الجحيم استقر كثير من ابناء ذاك الجيل في الأميركتين، واسسوا لمجتمع سوري مصغر داخل المجتمع الأميركي المتعدد الاعراق والجنسيات. قبلهم وصل الى بوسطن ونيويورك في ثمانينات القرن التاسع عشر ما يقارب ال 90 ألف سوري ما بين 1899 و1919. الجيل الأول من اللاجئين كانوا يسمون أنفسهم مهاجرين يومها لم يعودا للعيش في سوريا، او في لبنان ومن ابرزهم على الاطلاق الأديب اللبناني جبران خليل جبران، الذي وصل أميركا عام 1895.

عندما احتل الفرنسيون سوريا عام 1920 بدءت موجة جديدة من الهجرة ولكن لاماكن أقرب هذه المرة منها فلسطين ومصر والعراق. القاهرة كانت درة الحياة الثقافية والاجتماعية يومها، وفتحت أبوابها امام المهاجرين السوريين وتحديداً لرموز الحركة الوطنية منهم. الجالية السورية في مصر اسست لمطابع ومطبوعات، ومطاعم ونوادي فخمة، الى درجة ان ملك مصر الراحل فؤاد الأول اعجب بعملهم وعلمهم وأمر بتخصيص مقعد لهم في البرلمان المصري، حدد للجالية السورية بالتحديد، أو الشوام كما كان المصريون يسمونهم يومها.

الموجة الثالثة من اللجوء كانت عام 1925 عند اندلاع الثورة السورية الكبرى. ردت فرنسا بقصف دمشق بالمدفعية وبحرق قرى كاملة في ريف العاصمة السورية وفي جبل الدروز، مما ادى الى مقتل الآلاف وتهجير ما لايقل عن 25 ألف مواطن سوري، وجدوا ملاذاً امناً في بيروت والقاهرة وبغداد. في هذه المرة عادوا جميعاً الى بلادهم وكانت هجرة مؤقتة لم تدم بعد عام ١٩٢٧.

الموجة الرابعة كانت عام 1960 عندما غادر سوريا عدد كبير من الصناعيين والمصرفيين والملاكين، هرباً من السياسات الاشتراكية الجائرة وتأميم الاملاك والارزاق في جمهورية الوحدة مع مصر. اسسوا شركات كبرى حول العالم، للتجارة والصناعة واستخراج النفط، ومصارف محلية ضخمة منها مصرف لبنان والمهجر في بيروت، وعملوا في التعليم والطب والهندسة في الخليج العربي والأردن ولبنان.

الموجة الخامسة وكانت مطلع الثمانينات، خلال المواجهات الدامية بين حركة الاخوان المسلمين والرئيس حافظ الأسد. جميعهم بقوا في الخارج حتى الأن.

الموجة السادسة طبعاً هي اليوم بدأت عام 2011 ولا نعرف نهايتها بعد، وهل ستكون الاخيرة في تاريخ سوريا. لاجئو اليوم ما زالوا يتاقلمون مع عالمهم الجديد، والكثير منهم سوف يصبح عبأ على مضيفيه بدون شك، ولكن البعض منهم قد يغير مجرى التاريخ تماماً كما فعل ستيف جوبز وعبد الرحمن الداخل.

نشر في مجلة الصياد يوم 17 تشرين الأول 2016