جيل النراجيل

ذات يوم قابلت أحد ضباط الإنفصال في دمشق. دار نقاش حاد بيننا فيه الكثير من اللوم والعتب، بالرغم من إحترامي الشديد للجيل المؤسس من الضباط السوريين، عن ضعف ما عرف يوماً بالضباط الشوام الذين اطاحوا بجمهورية الوحدة عام 1961. لم يعجبه كلامي طبعاً ورد بحزم: نحن جيل فلسطين، من أنتم لتحاسبونا؟ انظر ما فعلنا نحن من أجل فلسطين وسوريا وأرني ما فعل جيلكم؟.

رددت عليه بإنفعالٍ شديد: يا عّم جيلكم أضاع فلسطين وجيلنا سوف يعيدها إلى أبنائها!.

كنت فتىً متهوراَ وحالماً يومها، وأعترف اليوم بعد مرور قرابة عشرين سنة ان جيلنا أخفق في كل ما كان يطمح اليه، فنحن مدانون الف مرة ومرة، ليس فقط في إضاعة فلسطين بل في خراب ودمار كل من العراق ولبنان ومصر وليبيا واليمن، وسوريا طبعاً.

اترحم على هذا الرجل اليوم، فقد فارق عالمنا منذ زمن قريب وهو اليوم في مكان أفضل من هذا الجحيم المشرقي، وسينال فيه ما يستحق لو كان حقاً قد خدم القضيتين الفلسطينية والسورية بإخلاص ووفاء. بقي كلامه محفورا في ذهني طوال هذه الفترة. وفي السنوات الأخيرة أصبحت أخاف أن ياتي إبني في يوم من الأيام، أو طالب تاريخ مشاغب مثلي بعد ثلاثين سنة، ويسألني: أنتم جيل الحرب السورية أليس كذلك؟ ماذا فعلتم بسوريا ولماذا؟.

حقيقة لا أملك جواباً مقنعاً، ولا أعتقد أن أحداً من جيلنا يملك جواباً يحترم العقل والضمير معاً. معظمنا سيرد على أولاده بالقول: ما كان طالع بإيدنا شي، كان مغلوباً على أمرنا جميعً. مع الأسف هذا الجواب غير مقنع، وسيرفض بالمطلق من قبل الأجيال القادمة، التي ستولد وتكبر في عالم متحضر ومتطور معلوماتياً ولا يستطيع أحد ان يمنعه من الوصول إلى الحقيقة، وفي هذا الجواب الكثير من الكذب والجبن والهروب من المسؤولية.

أحزن على بلدي الجريح اولاً وعلى جيلي من السوريين الذي كان من المفترض ان يكون عظيماً بعلمه وعمله، ولكنه سيق الى حرب طاحنة بهذا الشكل، لا تشبهه ولا يشبهها بالمطلق، ومات عددٌ كبيرٌ منه في أرض المعارك أو سقطوا قتلى لأنهم كانوا في المكان الخاطئ في الوقت الخاطئ. أحزن على كل من غادر بلاده ولم يستطع وداع أمه العجوز وهي على فراش الموت، وعلى كل من أهين ظلماً إما في بلاده او في بلاد الشتات واللجوء. مصيبتنا كبيرة لا وصف لها، وجميعنا مدانون، ومن دون استثناء.

في كتاب مذكراته الشهير أطلق الكاتب الدمشقي الراحل نجاة قصاب حسن إسم جيل الشجاعة على جيله، والسياسي منصور الأطرش سمى جيله الجيل المُدان بسبب نكسة فلسطين، أما رئيس وزراء سوريا الأسبق بشير العظمة فقد وصفه اقرانه بجيل الهزيمة بسبب النكبة، والأديب الكبير عبد السلام العجيلي سماه جيل الدربكة! يراودني سؤال: ماذا سنطلق على جيلنا من السوريين أو بالأصح ماذا سيطلق علينا أولادنا؟ جيل التنظير والنراجيل؟ جيل الفايسبوك والنضال الإفتراضي خلف شاشات الأي فون؟!

الأجيال السابقة، بالرغم من كل إخفاقاتها السياسية، تتمتع بذكريات ملونة فيها قليل من الإنجازات والكثير من النبل والشهامة، وما زالوا يرددونها على مسامعنا حتى اليوم. جدي رحمه الله كان يحدثنا دوماً عن ملاحم النضال ضد الفرنسيين، وكيف أعلن هو وجيله إستقلال البلاد عن الإنتداب الفرنسي، وبنوا اقتصاد البلاد وجيشها الوطني. والدي وجيله يتذكرون حرب السويس ونشوة المد القومي العربي في الستينيات، وصولا الى أسطورة العبور وتحرير مرصد جبل الشيخ، محاولين إسترداد بعض من كرامتهم بعد حرب الأيام الستة عام 1967.

اما الأجيال اللاحقة، المولودة من السبعينيات والثمانينات، فقد بدأ وعيها يتشكل على إجتياح بيروت وإحتلال الكويت. كبرنا على إيقاع الإنتفاضة الفلسطينية الأولى ونحن نشاهد اطفالاَ عُزل تحصدهم آلة الموت الإسرائيلية وتكسر عظامهم، كما امر إسحاق رأبين يومها. صفقنا وغنينا لأطفال الحجارة والفنا في مديحكم قصائد عصماء، ومن دون أن ندرك تعودنا على مشاهد القتل اليومي على شاشات التلفاز، وتكاد أن تكون اشلاء الأطفال مرافقة لذكريات الطفولة مثلها مثل ساسوكي وجونكار ومسلسل عدنان ولينا. عشنا فترة قصيرة من الإستقرار النسبي في التسعينيات، ترافقت مع إتفاقية اوسلو، ثم جاءت الألفية الجديدة ومعها ويلات 11 أيلول/سبتمبر وحرب العراق وسقوط بغداد وإغتيال الرئيس الحريري وصولاَ الى ما سمي بالربيع العربي، وفشلنا الذريع في حماية العباد والحفاظ على البلاد، حيث حولنا حدودها إلى حدود من ورق، مستباحة امام القاصي والداني. فقد حُرقت بغداد ومعها حلب ودُمرت القاهرة ومعها دمشق وبقيت القدس محتلة. كانوا يبكون إحتلال نابلس وعكا والجولان وصرنا نبكي إحتلال تدمر ودير الزُّور والموصل والرمادي، والحبل عالجرار كما يقول الدمشقيون.

منذ سنوات خاطبنا شاعر الشام نزار قباني قائلاَ:

نريد جيلاً غاضباً..

نريد جيلاً يفلح الآفاق

وينكش التاريخ من جذوره..

وينكش الفكر من الأعماق

نريد جيلاً قادماً..

مختلف الملامح..

لا يغفر الأخطاء.. لا يسامح..

لا ينحني..

لا يعرف النفاق..

نريد جيلاً..

رائداً..

عملاق..

عذراً أبا توفيق فلقد خذلناك كثيراَ، فقد كنا صغاراً صغار، أبعد ما يكون عن العمالقة، وعذراَ من ذلك الضابط الدمشقي الراحل، فلا يحق لنا ان نقارن أنفسنا بكم أبداً، فانتم جيل الجلاء ونحن جيل النراجيل لا أكثر…

مجلة الصياد، 10 تشرين الأول 2016