مع شيخ الكار: هيكل ودمشق

عندما توفي الكاتب البريطاني الشهير”باتريك سيل” عام 2014 هب عددٌ من السوريين على مواقع التواصل الإجتماعي ونعتوه بأبشع الأوصاف، “المجرم” و”القلم المأجور” و”الجاسوس،” لمجرد أنه صرّح في مطلع عام 2011 أن النظام السوري لن يسقط. لم يرضي هذا الكلام المحللين الجدد في الشؤون السورية، الذين ظهروا على الساحة الإعلامية مع بدايات ما يسمى بالربيع العربي وباتو بين ليلة وضحاها نجوم الصحف والفضائيات. بعضهم لم يزر سوريا قط في حياته والبعض الآخر لم يقرء إلاّ كتابين أو ثلاث في أحسن حال قبل أن يعطي لنفسه صفة “خبير استراتيجي في الشؤون السورية.” تطاولوا على”باتريك سيل” متجاهلين تاريخه الطويل والحافل في الصحافة والإعلام، ومتناسيين أن أربع أجيال كاملة من الكتاب والصحفيين والمؤرخين العالميين لم يقتربوا من الكتابة عن سوريا قبل دراسة مؤلفات صاحب كتاب “الصراع على سوريا.”

حالة الشتائم تكررت عند طرفي الصراع في سوريا منذ عام 2011، وطالت قامات كبيرة مثل صادق جلال العظم ومنى واصف وادونيس وفيروز وزياد رحباني وهيثم حقي ودريد لحام وعادل إمام، جميعهم هوجموا لمواقفهم الداعمة إما للنظام السوري أو للمعارضة السورية. يقول المثل الشعبي “من ليس لديه كبيراً فاليشتري كبير” ونحن تخلينا عن رجال ونساء كانوا جزء من ذاكرتنا الجماعية بسبب متاهات السياسية وصنعنا رموزاً من ورقعلى طرفي الصراع لا قيمة لهم ولا إنجاز يذكر إلاّ موقف معين منالأحداث السورية، قد يكون إنتهازي او صادق، وقد يمحوه الزمن أو يتغير مع متغيرات المشهد السوري.

تُعاد التجربة اليوم، بكل أسف، مع الكبير محمد حسنين هيكل، الذي وافاه الأجل صباح اليوم بعد مشوار طويل مع الصحافة بدء بتغطية معركة العلمين في الحرب العالمية الثانية ولم ينتهي حتى الممات.

في حارات دمشق القديمة يُعرف لكل مهنة شيخها، يُعلم الأجيال أسرارها وخفاياها، وشيخ الكار الصحافة العربية من دون أي منازع كانمحمد حسنين هيكل. بعض المعارضين السوريين يقولون عنه اليوم بأنه كان “عميلاَ للنظام السوري” لموقفه المؤيد للدولة السورية وبانه “عاشقاَ” للعسكر لتأيده لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي. لا يدرك هؤلاء أنهم يصغرون أنفسهم ويصغرون قضيتهم بهجوم رخيص من هذا النوع، فالتطاول على القامات التاريخية لا يصنع مجداً وليس فيه من الرجولة من مكان، وتحديداً في لحظات الموت، فمحمد حسنين هيكل عاش اسطورة وغاب أسطورة.

كان هيكل صديقاً قديماً لسوريا وللشعب السوري منذ أن دخل الميدان الفلسطيني عام 1948 كمراسل حربي على الجبهة المصرية وكتب الكثير الكثير عن إنجازات الجيش العربي السوري في معارك جسر بنات يعقوب وسمخ عند أقصى الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبريا، والتي أدى الجيش السوري فيها أداءً باهراً وألهم ببسالته زملائه المصريين. جاء إلى دمشق لأول مرة خلال الحرب الفلسطينية وتكررت الزيارات بعد ثورة الضباط الأحرار في الخمسينيات، مع رئيس البرلمان المصري أنور السادات ومع صديقه الرئيس جمال عبد الناصر عند إعلان قيام جمهورية الوحدة عام 1958. في كتابه “قصة السويس: آخر المعارك في عصر العمالقة” (1977) روى هيكل كيف قام السوريون بنسف أنابيب النفط البريطانية انتقاماً لمصر خلال حرب القناة، وكشف عن محاضر زيارة الرئيس القوتلي إلى موسكو(هي الأولى لرئيس سوري يومئذ) حيث طلب بتدخل عسكري روسي لحماية مصر من الهلاك ولو اشعل هذا التدخل حرباً عالمية ثالثة.

غضب هيكل من السوريين عند وقوع الإنفصال وكان الغضب متبادل طبعاً حيث مُنع من دخول دمشق فشّن هجوماً عنيفاً في زاويته الشهيرة “بصراحة” في جريدة الاهرام، والتي كان ينقل عبرها أفكار الرئيس عبد الناصر. حرّض هيكل ضباط الجيش السوري على نظامهم الجديد وعلى بعضهم بعضاً عبر تسريباته الصحفية، وكادت مقالاته وحدها أن تطيح بجمهورية الإنفصال. في كتابه  التاسع “عبد الناصر والعالم” (1977) اتهم هيكل رجال الإنفصال في سوريا بتقاضي مبلغ 12 مليون جنيه استرليني من العاهل السعودي الملك سعود بن عبد العزيز للإطاحة بجمهورية الوحدة وقال أنه سمع هذا الكلام شخصياًمن الملك سعود نفسه بعد خلعه عن العرش ولجؤه إلى مصر في عهد الملك فيصل.

أيام الإنفصال قام مجموعة من الضباط بمحاولة لقلب الحكم مجدداً في دمشق في آذار 1962. عند فشلهم نشر هيكل محضر كامل لجلسة سرية دارت بينهم وبين الرئيس المصري في داره بمنشية البكري، وجاء المقال الشهير الذي هـزّ عرش حكم الانفصال في جريدة الأهرام يوم 27 نيسان 1962 ليفيد أنّ ضباط الجيش السوري يكنون الولاء المطلق لعبد الناصر وحده لا لسوريا أو رئيسها المنتخب الدكتور ناظم القدسي. يعترف هيكل أنه كان معجب بأفكار حزب البعث قبل توليه الحكم عام 1963 وكان ذلك في فترة ما يصفه بالـ”الفراغ الفكري” في العالم العربي، ولكنه سرعان ما انقلب على البعث بسبب تأيده للإنفصال، وهمس في أذن عبد الناصر أن لا يثق برجالاته خلال زيارة رئيس مجلس قيادة الثورة السورية الفريق لؤي الأتاسي للقاهرة ومعه أحد مؤسسي البعث صلاح البيطار (رئيس الحكومة السورية يومئذ) لإعادة الوحدة بين دمشق والقاهرة. قام هيكل مجدداَ بنشر ضبوط تلك المباحثات مع البعث السوري في كتابه الشهير “وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الإشتراكي” (1982).

في عهد الرئيس السادات عمل هيكل وزيراً للإعلام ووزيراً للخارجية لمدة أسبوعين، ونشر مقابلة مهمة للغاية أجراها بنفسه مع وزير الخارجية الاميركي هنري كسنجر في تشرين الثاني عام 1973 رسم الأخير سياسة بلاده تجاه العرب لعقود كاملة حيث قال كسنغر لهيكل أن السوفيت يستطيعون تقديم السلاح للعرب ولكن وحدها امركيا قادرة على إعادة الأراضي المحتلة وفرض سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط. كتابه الشهير “خريف الغضب” (1988) هو أهم ما نشر حتى يومنا هذا عن حرب تشرين وتلاه كتاب “حرب الخليج: أوهام القوة والنصر” (1992) عن احتلال الكويت وتحريره في ما عرف ب”عاصفة الصحراء.”

لو كان عندنا هيكل أخر لكان من المفترض علينا أن نضعه برمش العين ونداريه كجوهرة نفيسة لا مثيل لها في عالمنا المعاصر. كان رجلاَ وطنياَ عاشقاَ لمصر ومحباَ لسوريا. دار اخر حديث بيني وبين الأستاذ الكبير في ايلول الماضي حول سوريا الجريحة، حيث كان قلبه ينزف دماَ على تحطيم ارث وتاريخ هذا البلد العظيم على يد ابنائه،وكان يتمنى أن يرى نهاية وشيكة لهذه الحرب القذرة على سوريا ولكنه المرض غيبه قبل تحقيق ذلك.

لمحمد حسنين هيكل الرحمة والخلود، علماَ ومعلماَ واستاذاَ وهرماَ في تاريخ عالمنا العربي، ولدمشق والقاهرة العظيمتان طول البقاء من بعده.

دمشق في 16 شباط 2016